
في فجرٍ بارد ، وعلى مقربةٍ من بوابة مستشفى ، وُجد صندوقٌ كرتونيٌّ صغير. لم يكن بداخله دواءٌ ولا طعام، بل روحٌ بشرية ما زالت تبكي؛ طفلٌ حديثُ الولادة تُرك وحيدًا على قارعة القدر.
لا ذنب له، لا حيلة له، ولا يد له في القصة التي جاءت به إلى هذا العالم. ومع ذلك، كان أول ما استُقبل به في الحياة هو الخوف والبرد والوحدة.
هذه ليست حكاية خيالية، ولا حادثة نادرة، بل مأساة تتكرر بصمت في مجتمعاتٍ كثيرة. أطفالٌ يُرمى بهم قرب المستشفيات، أو في الأزقة، أو داخل كراتين مهملة، فقط لأنهم وُلدوا في ظروفٍ يصفها البعض بـ«غير الشرعية».
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه بصدق: هل يتحمل طفلٌ بريء تبعات أخطاء الكبار؟
إن رمي الأطفال حديثي الولادة جريمةٌ أخلاقية وإنسانية قبل أن تكون جريمةً قانونية. فالحياة التي تُمنح لإنسان ليست نعمةً يمكن التخلص منها متى شاء الآخرون، وليست عبئًا يُلقى على الأرصفة.
كل طفلٍ يولد يحمل حقًا أصيلًا في الحياة، في الحماية، في الدفء، وفي أن يجد من يمد له يدًا، لا أن يُترك للمصير.
المؤلم في هذه القصص ليس فقط فعل التخلي، بل حجم القسوة التي تكمن خلفه. تخيّل أن طفلًا لا يزال يحمل أثر الولادة، يُلفّ على عجلٍ في قطعة قماش، ثم يُوضع في صندوقٍ كرتوني ويُترك قرب باب مستشفى، وكأن حياته رسالةٌ مجهولة أُلقيت على عتبة العالم.
أي خوف، أو يأس، أو ضغط اجتماعي يمكن أن يدفع إنسانًا إلى هذا الحد؟
الحقيقة أن هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها في اتهامٍ فردي فقط، بل هي مرآة لمشكلاتٍ اجتماعية أعمق.
الخوف من الفضيحة، والوصمة الاجتماعية، وانعدام الدعم النفسي، وغياب المؤسسات التي يمكن أن تحتضن الأمهات في الأزمات… كلها عوامل تدفع بعض الناس إلى خياراتٍ مأساوية.
في مجتمعاتٍ كثيرة، تُدان المرأة وحدها، ويُترك الطفل ليكون الضحية الصامتة، بينما يختفي الطرف الآخر من المسؤولية، ويختفي المجتمع أيضًا خلف صمته القاسي.
وهنا تبدأ الجريمة الثانية: جريمة الصمت.
ليس الحل في الإدانة وحدها، ولا في نشر قصص الألم فقط، بل في بناء منظومة إنسانية تحمي الحياة قبل أن تضيع.
المستشفيات، والمؤسسات الاجتماعية ، ومنظمات حماية الطفولة يمكن أن تكون ملاذًا آمنًا لمن يجد نفسه في أزمة. هناك نماذج في دولٍ عديدة تسمح بتسليم الأطفال بشكلٍ آمن وسري للمؤسسات المختصة بدلًا من تركهم للموت أو الضياع.
فالحياة ليست خطأ، والطفل ليس فضيحة، والإنسانية لا يجب أن تُختزل في أحكامٍ قاسية تدفع الناس إلى قراراتٍ مأساوية
الطفل الذي يُترك في صندوقٍ كرتوني قد يكبر يومًا ليصبح طبيبًا أو معلمًا أو عالمًا أو إنسانًا صالحًا يغيّر حياة الآخرين.
لكن حين نتخلى عنه في أول لحظة من حياته، فإننا لا نخذل طفلًا واحدًا فقط، بل نخذل إنسانيتنا كلها.
إن المجتمعات تُقاس بمدى حمايتها لأضعف أفرادها، ولا أحد أضعف من طفلٍ حديث الولادة.
فإن لم نجد في قلوبنا رحمة لهؤلاء الصغار، فماذا بقي من معنى الرحمة في هذا العالم؟
ربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا سؤالًا صريحًا:
هل المشكلة في الطفل الذي جاء إلى الحياة… أم في مجتمعٍ لم يجد طريقة لاحتضان الحياة حين جاءت؟
فالطفل ليس خطيئة.
الخطيئة الحقيقية أن نتركه وحيدًا في كرتونٍ على باب العالم.





