مقالات

 د. الشاذلي عبد اللطيف : دمج القوات المساندة بعد حرب الكرامة: خطوة استراتيجية نحو جيش وطني موحد

 

 

لم تكن حرب الكرامة  مجرد مواجهة عسكرية خاضتها القوات المسلحة دفاعًا عن الدولة، بل شكلت لحظة تاريخية أعادت صياغة العلاقة بين الجيش والقوى التي وقفت إلى جانبه في ميادين القتال. فقد أفرزت ظروف المعركة واقعًا جديدًا تمثل في مشاركة قوى مساندة ومتطوعين قاتلوا جنبًا إلى جنب مع القوات المسلحة، في تجربة ميدانية عززت مستويات غير مسبوقة من التنسيق والثقة والتعاون بين مختلف القوى التي حملت السلاح دفاعًا عن الوطن.

وفي هذا السياق تكتسب التصريحات التي أدلى بها الفريق أول ياسر العطا حول تنظيم ودمج القوات التي شاركت في حرب الكرامة أهمية خاصة، إذ تعكس رؤية استراتيجية لإدارة مرحلة ما بعد الحرب تقوم على توحيد السلاح تحت قيادة الدولة وبناء مؤسسة عسكرية وطنية أكثر تماسكًا وقدرة على حماية الاستقرار.

فالتجارب التاريخية تؤكد أن التحدي الأكبر الذي يواجه الدول بعد الحروب لا يتمثل فقط في إعادة الإعمار، بل في إعادة تنظيم القوة المسلحة وضمان وحدة القيادة والسيطرة. فوجود تشكيلات مسلحة متعددة خارج الإطار المؤسسي الرسمي قد يؤدي إلى تعدد مراكز القوة ويهدد الاستقرار الأمني، بينما يسهم دمج العناصر المؤهلة داخل القوات النظامية في تعزيز الانضباط العسكري وترسيخ العقيدة القتالية الوطنية.

لقد أسهمت حرب الكرامة نفسها في تعزيز الثقة بين القوات المسلحة والقوات التي قاتلت إلى جانبها، إذ فرضت ظروف المعركة تنسيقًا ميدانيًا وتعاونًا عملياتيًا وثيقًا بين مختلف هذه القوى، الأمر الذي أرسى قاعدة مهمة يمكن البناء عليها في مرحلة ما بعد الحرب لتنظيم هذه القوات ضمن إطار مؤسسي يخدم مصلحة الدولة ويعزز أمنها القومي.

ومن منظور عسكري استراتيجي، فإن دمج العناصر المؤهلة من هذه القوات داخل المؤسسات النظامية يمكن أن يمثل إضافة مهمة للمؤسسة العسكرية، خاصة أن كثيرًا من هؤلاء اكتسبوا خبرات ميدانية خلال العمليات القتالية. ومع إخضاعهم لبرامج تدريب وتأهيل عسكرية، يمكن لهذه الخبرات أن تسهم في تعزيز الكفاءة العملياتية للقوات المسلحة وترسيخ جيش وطني موحد.

غير أن إدارة هذه المرحلة لا تقتصر على الدمج العسكري فحسب، بل تتطلب أيضًا تنفيذ برامج إعادة التسريح وإعادة الإدماج في المجتمع المدني للعناصر التي لن يتم استيعابها داخل القوات النظامية. وتعد هذه البرامج أحد المحاور الأساسية في برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR) التي تُطبق عادة في الدول الخارجة من النزاعات المسلحة.

وبالنظر إلى أن برامج إعادة الإدماج تتطلب موارد مالية وتنظيمية كبيرة، فإن الاستعانة بالأمم المتحدة والمنظمات الدولية يمكن أن تمثل عنصرًا مهمًا في إنجاح هذه العملية، خاصة في ظل الخبرات التي اكتسبتها هذه المؤسسات في إدارة برامج مماثلة في عدد من الدول التي شهدت نزاعات مسلحة.

كما أن الاستفادة من التجارب الدولية في إدارة مراحل ما بعد النزاعات، إلى جانب تعزيز الثقة التي تشكلت خلال حرب الكرامة بين مختلف القوات التي شاركت في الدفاع عن الدولة، يمكن أن يشكل أساسًا لبناء مؤسسة عسكرية وطنية قوية وموحدة قادرة على حماية البلاد وترسيخ الاستقرار وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من إعادة البناء والتنمية.

وفي نهاية المطاف، فإن التحدي الحقيقي بعد حرب الكرامة لا يتمثل فقط في الانتصار في ميدان المعركة، بل في القدرة على تحويل تجربة القتال المشترك إلى مشروع وطني لبناء قوة عسكرية أكثر تماسكًا واحترافية. إن دمج وتنظيم القوات التي شاركت في الدفاع عن الدولة يمثل خطوة

استراتيجية نحو ترسيخ مبدأ أن السلاح يجب أن يكون في خدمة الوطن  وتحت قيادة مؤسسته العسكرية الشرعية. وإذا ما أُحسن إدارة هذه المرحلة بالاستفادة من التجارب الدولية ودعم المجتمع الدولي، فإن السودان يمكن أن يحول تضحيات حرب الكرامة إلى نقطة انطلاق لبناء جيش وطني موحد يعزز الاستقرار ويحمي الدولة في مواجهة تحديات المستقبل.

إشتياق الكناني

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى