رمضان… مدرسة التقوى وبناء الإنسان (11 من 29): الزمن في ميزان النبوة… كيف يُدار العمر؟
محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

الإنسان لا يملك في هذه الحياة شيئًا أثمن من عمره، ومع ذلك فهو أكثر ما يُفرِّط فيه. المال إذا ضاع أمكن تعويضه، والصحة إذا ضعفت أمكن علاجها، أما الزمن إذا مضى فلا يعود، لأنه مادة الوجود الأولى.
وقد أقسم الله بأزمنة متعددة تنبيهًا إلى قدرها:
﴿وَالْعَصْرِ﴾
﴿وَالْفَجْرِ﴾
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾
فكأن الزمن ليس ظرفًا فارغًا، بل وعاء التكليف، وميدان الاختبار.
وفي السنة النبوية يتجلى هذا الوعي بوضوح. قال النبي ﷺ:
«نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».
الغبن هنا خسارة خفية؛ أن يظن الإنسان أنه يملك الوقت، بينما هو يتناقص بصمت.
وجاء في الحديث عنه ﷺ:
«اغتنم خمسًا قبل خمس…»، وفيه دعوة إلى المبادرة قبل فوات الفرص.
وقال ﷺ: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل».
كلمات جامعة، لكنها تعيد ترتيب العلاقة مع العمر كله؛ فلا استغراق في الغفلة، ولا تسويف بلا نهاية.
وقال الحسن البصري رحمه الله:
“يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك.”
فالعمر ليس سنوات تُعدّ، بل أيام تُقتطع من رصيد لا يتجدد.
وقد عبّر بعض الشعراء عن هذه الحقيقة فقال:
والوقتُ أثمنُ ما عُنيتَ بحفظِه
وأراهُ أسهلَ ما عليكَ يضيعُ
دقّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ له
إنّ الحياةَ دقائقٌ وثواني
فما يُظن طويلًا هو في الحقيقة ومضات، وما يُؤجَّل كثيرًا قد لا يُدرك.
إدارة الزمن في ميزان النبوة لا تعني الانشغال الدائم بلا روح، بل تعني التوازن المقصود. كان للنبي ﷺ لكل شأنٍ وقته؛ عبادة، وتعليم، وأسرة، وجهاد، وراحة. بل كانت حياته ﷺ موزونةً بالحكمة، موزعةً على الحقوق بعدل، لكل شأنٍ فيها موضعه.
رمضان مدرسة مكثفة لهذا المعنى. فالصائم يعيش بإيقاع منضبط: سحور، فجر، عمل، إفطار، قيام. اليوم الرمضاني بطبيعته منظم بمحطات عبادية تُذكِّر بالغاية. ومن أحسن استثماره تعلّم كيف ينظم بقية عامه.
قال بعض السلف: “الوقت سيف، إن لم تقطعه قطعك.”
فالزمن ليس عدد ساعات، بل نوعية حضور. قد تمر ساعة بوعيٍ فتثمر أثرًا طويلًا، وقد تمر أيام في غفلة فلا تترك أثرًا يُذكر.
وقد أظهرت دراسات حديثة أن تقسيم اليوم إلى فترات ذات هدف واضح يزيد التركيز ويقلل التوتر. غير أن الإسلام سبق إلى ترسيخ هذا المعنى عبر الصلوات الخمس، التي تقطع اليوم إلى محطات مراجعة وتجديد نية.
والأمر ليس تنظيميًا فحسب، بل مسؤولية أخروية؛ قال ﷺ:
«لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه».
فالعمر أمانة، لا ملكية مطلقة.
قال ابن القيم رحمه الله:
“إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة.”
رمضان يذكرنا أن العمر محدود، وأن الاستعداد لا يُؤجَّل. فمن استطاع أن ينظم شهرًا بوعي، استطاع أن ينظم عامًا. ومن نظم عامًا، أمكنه أن ينظم حياة.
فكيف نُدير ما تبقى من أعمارنا؟
هل نتركه يتسرب بين العادات، أم نجعله مشروعًا واعيًا يُبنى فيه الإنسان يومًا بعد يوم؟





