مقالات

هدي الخليفة النور تكتب | عبق الذاكرة | التعاليق السلبية…

لم تعد التعاليق السلبية مجرّد آراء عابرة تُكتب على عجل في فضاء الإنترنت، بل تحوّلت عند البعض إلى سلوك مزمن، أقرب ما يكون إلى مرضٍ اجتماعيّ يتغذّى على الإحباط، ويعيش على التقليل من الآخرين. فبدل أن تكون منصّات التواصل ساحةً للنقاش وتبادل الخبرات، صارت عند كثيرين مسرحًا للتجريح والتشويه وإطلاق الأحكام الجائرة.

التعليق السلبي ليس نقدًا. النقد فعلٌ واعٍ، له غاية إصلاحية ولغة محترمة وحجّة واضحة. أمّا السلبية فهي هجوم بلا هدف، وكلمات تُقذف بلا مسؤولية، تُفرغ شحنة الغضب في الآخرين وكأنهم المتّهمون الوحيدون بفشلٍ لم يصنعوه. هنا يتحوّل التعليق إلى أداة إيذاء، لا إلى رأي.

المقلق أن هذا السلوك يجد من يصفّق له. فكلما ارتفعت حدّة التعليق، زاد التفاعل، وكأن القسوة صارت عملة رائجة في السوق الرقمي. هذا التشجيع الخفي يعمّق المرض، ويجعل صاحبه يظنّ أن السخرية ذكاء، وأن التقليل شجاعة، وأن الإهانة “حرية رأي”.

 

نفسيًا، تشير دراسات عديدة إلى أن الإفراط في التعاليق السلبية يرتبط بمشاعر نقص، أو غيرة، أو رغبة في لفت الانتباه. فالناجح يُربك غير الواثق، والمبدع يذكّر الكسول بما لم ينجزه، فيختار الأسهل: الهجوم بدل المواجهة، والتقليل بدل التطوّر.

أما اجتماعيًا، فالأثر أخطر. التعاليق السلبية تُحبط الموهوبين، وتُخرس الأصوات الجديدة، وتزرع الخوف من التجربة. كم من فكرة وُئدت لأن صاحبها خشي السخرية؟ وكم من موهبة صمتت لأن التعليقات كانت أقسى من الفشل نفسه؟

العلاج لا يكون بالمنع وحده، بل بالوعي. وعيٌ يفرّق بين النقد والبذاءة، وبين الرأي والإساءة. وعيٌ يبدأ من التربية، ويمرّ بالإعلام، ولا ينتهي عند مسؤولية الفرد. فقبل أن نكتب تعليقًا، علينا أن نسأل: هل يضيف شيئًا؟ هل يُصلح أم يُجرح؟ هل نقبله لو وُجّه إلينا؟

في زمنٍ صار فيه الجميع قادرًا على الكلام، تبقى الأخلاق هي الفارق الحقيقي. فالكلمة إمّا أن تكون جسرًا، أو سكينًا. والتعليق السلبي، مهما تنكّر في ثوب الرأي، يظلّ مرضًا إن لم نضع له حدًا بالوعي والاحترام.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى