هدي الخليفة النور تكتب | عبق الذاكرة | الغيرة

الغيرة شعور إنساني معقّد، يولد في القلب كما تولد الأسئلة الأولى في الوعي؛ بلا استئذان، وبلا تعريفٍ واضح. هي ليست شرًّا خالصًا كما يراها البعض، ولا فضيلةً مطلقة كما يحاول آخرون تجميلها، بل هي حالة شعورية تقف على الحدّ الفاصل بين الحب والخوف، بين التعلّق والقلق، وبين الرغبة في الحماية والخشية من الفقد.
نغار لأننا نحب، أو لأننا نظن أننا نحب. نغار لأن شيئًا ما في داخلنا يخشى أن يُستبدل، أو يُنسى، أو يُؤخذ منا. وفي كثير من الأحيان، لا تكون الغيرة انعكاسًا لقيمة الآخر في حياتنا بقدر ما تكون مرآة لهشاشتنا الداخلية، وللأسئلة غير المُجاب عنها في أعماقنا.
الغيرة بين الفطرة والتشوّه
الغيرة في أصلها فطرة. شعور طبيعي يدل على الاهتمام والارتباط، وقد يكون دليلاً على وجود مشاعر صادقة. لكن المشكلة لا تكمن في وجود الغيرة، بل في الطريقة التي نسمح لها أن تنمو بها. فحين تُسقى الغيرة بالخوف، وتُغذّى بالشك، وتُترك بلا وعي أو ضبط، تتحوّل من إحساس إنساني إلى قوة مدمّرة.
الغيرة الصحية تشبه سورًا يحمي الحديقة دون أن يمنع الشمس أو الهواء. أما الغيرة المريضة فهي جدارٌ عالٍ يحجب الضوء، ويخنق الزهور التي وُضع لحمايتها.
الغيرة والذات
كثيرًا ما نُسقط الغيرة على الآخر، فنراقبه، ونحاسبه، ونشكّك في تصرفاته، بينما الجذر الحقيقي يكون داخلنا. فالشخص الواثق من نفسه، المتصالح مع قيمته، أقل عرضة للغيرة المفرطة. أما من يعيش في صراع مع ذاته، أو يشعر بالنقص، أو يخشى الهجر، فإن الغيرة لديه تصبح صراخًا داخليًا لا يهدأ.
الغيرة أحيانًا ليست خوفًا على من نحب، بل خوفًا من أن نُترك وحدنا مع أنفسنا.
الغيرة في العلاقات
في العلاقات العاطفية، تُختبر الغيرة يوميًا. قد تكون كلمة عابرة، أو نظرة، أو صمت غير معتاد، شرارةً تشعل نيران الشك. وهنا يظهر الفارق بين علاقة ناضجة وأخرى هشّة. فالعلاقة الناضجة تُدار فيها الغيرة بالحوار والطمأنينة والحدود الواضحة، بينما العلاقة الهشّة تتحوّل فيها الغيرة إلى سلاح للسيطرة، أو أداة للاتهام، أو سببٍ دائم للألم.
أقسى أنواع الغيرة هي تلك التي تتخفّى خلف الحب، لكنها في حقيقتها تقييد، ومراقبة، وإنكار لحرية الآخر. الحب الحقيقي لا يطلب الأسر، ولا يزدهر في الأقفاص.
الغيرة والحسد
رغم التشابه الظاهري، إلا أن الغيرة تختلف عن الحسد. الغيرة تتعلّق بالخوف على ما نملك، أما الحسد فهو التمنّي بزوال ما يملكه الآخر. الغيرة قد تحمل نية الحماية، بينما الحسد يحمل رغبة خفية في الخسارة. ومع ذلك، قد تنزلق الغيرة غير الواعية إلى حافة الحسد، حين تتحوّل المقارنة إلى عبء، والآخر إلى تهديد دائم.
نحو غيرة واعية
التحرّر من الغيرة المؤذية لا يعني إنكار الشعور أو قمعه، بل فهمه. أن نسأل أنفسنا:
لماذا غرت؟
ما الذي أيقظه داخلي؟
هل خوفي حقيقي أم متخيَّل؟
حين نواجه الغيرة بصدق، تتحوّل من عدو إلى معلّم. تعلّمنا أين نحتاج للشفاء، وأين نحتاج للثقة، وأين يجب أن نضع حدودنا—مع الآخرين، ومع أنفسنا.
خاتمة
الغيرة ليست خطيئة، لكنها اختبار. اختبار لنضجنا العاطفي، ووعينا بذواتنا، وقدرتنا على الحب دون تملّك. هي شعور يطلب منا أن نكون أصدق، أهدأ، وأرحم بأنفسنا قبل أن نكون كذلك مع غيرنا.
وفي النهاية، من أحبّ حقًا، تعلّم أن يثق…
ومن وثق، عرف أن الحب لا يُحرس بالخوف، بل بالأمان.
هدى الخليفة النور





