مقالات

شهادةُ قلمٍ عاصَرَ الإنكسار ” 30-1″

رمضان محجوب يكتب | أنواءُ الرُّوح |

مقدمة…. ​”سقوط الاقنعة”

لم تكن حرب الخامس عشر من أبريل مجرد صدامٍ عسكري، بل كانت زلزالاً ضرب أركان البيت السوداني، فاختبر صلابة الجدران وطهّر النفوس. في هذه السلسلة، لا أكتب ببرود الرقيب، بل بدم القلب، كإنسانٍ عاش “أنواء الحرب” في أقسى تجلياتها؛ من ممرات أم درمان الموحشة، إلى غياهب المعتقلات، وصولاً إلى قرى الجزيرة التي كانت جنةً فأصبحت يباباً تحت وطأة الغدر الممنهج حتى استقرار في مسقط رأسي مدينة دنقلا.

▪️​هذا التوثيق جاء محاولة مني لفك شفرة الخراب عبر مسارين: “أنواء” الرحلة والنزوح والاعتقال، و”خيبات” المجتمع الصادمة. التي عبرها أرصد الطعنات التي لم تأتِ من الغرباء، بل من جارٍ خائن أو وشاية حاقدة. سأكشف لكم عبرها… كيف تُغتال المروءة في وضح النهار، وكيف يصبح الصمت “شهادة زور” حين يُساق الأبرياء إلى حتوفهم بوشايةٍ دنيئة، وسط وجوم حيٍّ شلّه الخوف المريب والترقب القاتل.

▪️​ستطالعون في هذه السلسلة رصداً دقيقاً لتلك الأيام العجاف التي سبقت الانهيار الشامل؛ حينما كانت “تكايا القادرين” هي الملاذ الأخير لكسر حدة الجوع، ومَن تبقت لهم بقايا بسطة من المال والسلع الاستهلاكية يتشاركونها في “تكافل” إنساني أخير قبل الانكسار الكبير.

▪️سأصف كيف تحول “المخزون الغذائي” في تلك البيوت إلى متراسٍ للصمود، وكيف كانت السلع تُخبأ وتُقسّم بـ”المثقال” في مشهدٍ يسبق النسخة الأخيرة من التكايا المجتمعية التي عمت الأحياء لاحقاً حين نفد كل شيء ولم يبقَ إلا رحمة الخالق.

▪️​إنها دعوة للقراءة بعين الحقيقة العارية، بعيداً عن زيف الانتماءات؛ لنعرف أين أخطأنا وكيف سقطنا في فخ “الفرز العرقي”. سأحدثكم عن رائحة الموت في “نادي المشاهدة”، وعن هدير المواتر التي تسرق الأمان، وعن لعلعة الرصاص العشوائي وهي تحول صمت البيوت الي صمت قبور وعن كبرياء الرفاق وهم يمشون “مسيرة القطيع” نحو مجهولٍ لا يرحم، بجلابيب بيضاء لم يلوثها النفاق ولا الانكسار أمام فوهات بنادق المليشيا التي كانت تسوقنا بجهلٍ وعنجهية.

▪️سأحكي لكم عن “عصيدة العيد” التي امتزجت بمرارة الاعتقال، وعن وصايا الآباء للأبناء في لحظات الوداع الراجلة تحت وطأة القناصة. إنها شهادة للتاريخ، وبحثٌ عن فجرٍ جديد لا يُظلم فيه بريء ولا يُساق فيه حرٌ بوشايةِ واشٍ حاقد.
▪️​على أعتاب هذه الرحلة الورقية، اترك قلمي ليخبر التاريخ أن الحرب لم تقتل الأجساد فقط، بل حاولت اغتيال المروءة والستر. إنها أمانة في بريد المستقبل؛ ليعلم العالم أننا لم نُهزم بالرصاص، بل طُعنا حين خَان الجار جاره، وحين صار “الخوف” هو الحاكم الفعلي للأزقة والبيوت التي كانت يوماً مشرعة للغرباء قبل الأهل.

▪️​في “أنواء”، وثقتُ قبح “خيانة الجار” التي جرحت الوجدان بأعمق من فجوات الرصاص. سأروي لكم كيف تحولت قرى الجزيرة من جنةٍ خضراء إلى مرتعٍ للمليشيا، وكيف جردت الحرب البعض من “سودانيتهم” قبل ممتلكاتهم. إنها رحلة في جغرافيا الانكسار، حيث الكلمة هي المتراس الأخير ضد الطوفان، وضد النسيان المعتمد الذي تحاول القوة فرضه بحد السلاح وتكميم الأفواه.

▪️​ستشهد السلسلة على “المسكوت عنه” في غرف التحقيق المظلمة، حيث لا صوت يعلو فوق صوت السياط والجهل الذي يرتدي بزة عسكرية ويسأل بدهشة: “إنت شغال شنو؟”. سأصف كيف يُعتقل “الإعلامي” و”الترزي” و”بتاع الدكان” بتهمة “الوعي”، وكيف يتحول “الواشي” إلى قاضٍ يوزع صكوك الحياة والموت بلمحة عين، في مشهدٍ يجسد قمة السقوط الأخلاقي والاجتماعي.

▪️​هذه “الانواء” التوثيقية ليست ترفاً كتابياً، بل هي صرخة لإيقاظ ما تبقى من نخوة في وادي الصمت الجماعي. وثقتُ عبرها الخيانة كما وثقتُ الصمود، ووصفتُ القبح كما رأيتُ ومضات الجمال في “تكايا” المتطوعين الذين ظهروا لاحقاً ليطعموا الجوعى من لحم أكتافهم بعدما نفدت مؤن “الراحمون” في تكاياهم الخاصة.

▪️​انتهت مقدمة الرحلة، وبدأ نزيف الذكرى في وجدان الوطن الجريح. استعدوا لمواجهة أنفسكم في مرآة “أنواء”، حيث لا مجال للمجاملة، ولا حيز للهروب من استحقاقات الحقيقة المرة. الكلمة باقية حين يخرس الرصاص، والتوثيق هو فعل المقاومة الوحيد الذي نملكه لنسترد “الإنسان” الذي ضاع منا في زحام الغدر، ونبني وطناً يعرف قيمة الوفاء ومعنى الجوار.

نلتقي الخميس القادم ان شاء الله

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى