
الغربة في عُرف السودانيين لم تكن يوماً ملاذاً من وهج التكليف الوطني، بل هي عندهم منصة انطلاق، ومدار وفاءٍ وكرامة يدور حيث دارت عزة وكرامة الوطن الجريح. واليوم، والسودان يصارع أمواج الأنواء العاتية، تشرق من مغارب الأرض شمس “ملتقى الكرامة الثاني“، لتقول للعالم اجمع” إن المسافات لم تكن يوماً حائلاً دون القتال مع اسود القوات المسلحة ” ضد أفراد المليشيا الإرهابية واعوانها، وإن نبض المهاجر هو ذاته نبض الخنادق، إيماناً بوحدة الأرض واستعلاءً على جراح الشتات المرير.
في “مانشستر”، حيث تتنفس المدينة عبق التاريخ وروح الحداثة، يحتشد السودانيون الشرفاء في الحادي والثلاثين من يناير لصناعة فجر جديد، في تظاهرة سياسية وإعلامية مهيبة تتجاوز بروتوكولات اللقاءات العابرة.
هذا الملتقى هو “بيانُ حقيقة” سيُتلى في محافل الغرب، ليؤكد أن السيادة السودانية خطٌ أحمر، وأن دماء الشهداء وأوجاع النازحين والآم واللاجئين هي الوقود الذي يشعل جذوة الإرادة في صدور المهاجرين الشرفاء ، رفضاً لكل عدوان وغدر.
يأتي الملتقي ليعلنها داوية بأن زمن الرصد السلبي قد ولى بغير رجعة ، وجاء زمن التشريح العلمي والمواجهة الفكرية، حيث يستنطق الملتقى عبر أوراق تحليلية رصينة مآلات الوضع العسكري والسياسي، ليضع نقاط الحقيقة فوق حروف التآمر الإقليمي.
حضور الأكاديميين والقادة في هذا الملتقى سياتي بمثابة استنفارٌ للعقل الجمعي السوداني، لرسم خارطة طريق لا تعرف الانكسار، ولبناء رؤية إستراتيجية تعيد للبلاد هيبتها المستباحة في أسواق النخاسة السياسية الدولية.
لن يقف الملتقى عند حدود التنظير، بل ليغوص في أعماق المأساة عبر توثيق سينمائي وحقوقي فاضح لكل الانتهاكات التي طالت الإنسان السوداني في أعز ما يملك. وهو توثيق سيكون بمثابة صرخة الحق التي ستنطلق من مانشستر لتطرق آذان الضمير العالمي، حاملةً أدلةً لا تقبل الجدل، لتؤكد أن دور السودانيين بالخارج هو أن يكونوا “سفراء الوجع” و”حراس الحقيقة” في وجه آلة التزييف الإعلامي التي تحاول طمس هوية الصراع.
وفي خطوة عملية تبرهن على أن الوطنية فعلٌ يُرى لا قولٌ يُسمع، يشهد الملتقى ميلاد “منظمة الإغاثة السودانية”، لتكون الذراع الإنسانية التي تضمّد جراح الوطن وتعيد بناء ما دمرته يد الغدر. إنها رسالة بالغة الدلالة بأن السوداني في غربته هو السند والعون، وهو اليد التي تبني بينما يهدم الآخرون، وهو الضمانة الأكيدة لملحمة إعادة الإعمار التي ستبدأ من عرق الجبين وبذل المخلصين.
وسط هذا الزخم، سيأتي انتخاب قيادة جديدة لتجمع السودانيين بالخارج ولعمري لهو انتصارٌ للمؤسسية وتجديدٌ لعهد الوفاء في ذروة المحنة. فالقيادة في هذا الظرف الاستثنائي هي “تكليفٌ تحت النار”، يتطلب رجالاً يقدرون عظمة المسؤولية ويؤمنون بأن وحدة الصف بالخارج هي الحصن المنيع الذي تتحطم فوقه كل مؤامرات التفتيت، وهي الجسر الذي سيعبر عليه الوطن نحو مرافئ الأمان والاستقرار.
ولأن الوفاء شيمة الأحرار، سيفتح الملتقى ذراعيه لتكريم الشخصيات والكيانات التي وقفت مع الحق السوداني في أحلك الظروف، في لفتة تؤكد أصالة المعدن السوداني. فهذا التكريم، الذي سيكون مسنودا بفقرات وطنية تلهب الحماس، سيستعيد الوعي الجمعي تأكيدٌ على أن النصر ليس مجرد أمنية، بل هو استحقاقٌ لمن يملك الذاكرة الحية والإرادة الصلبة واليقين الذي لا يتزعزع.
عموما ملتقى الكرامة الثاني سيكون “ترمومترا” للشرف الوطني، وبرهانٌ ساطع على أن الأنواء مهما اشتدت فلن تزيدنا إلا تمسكاً بالهوية والسيادة. فمن مانشستر، سيخرج البيان الختامي ليسمع من به صمم، بأن السودان عصيٌّ على الترويض، وأن أهله في مشارق الأرض ومغاربها هم حراسه وسدنته، والويل لكل من يراهن على انكسار هذا الشعب أو ذوبان كرامته في منافي الاغتراب





