مقالات

سعاد سلامة تكتب: ..همس البوادي..من شيكان إلى فضاءات الفداء: الاستقلال كما كتبه الأبطال(2)

سعاد سلامة تكتب: ..همس البوادي..من شيكان إلى فضاءات الفداء: الاستقلال كما كتبه الأبطال(2)

 

لم يكن الاستقلال في تاريخ السودان مناسبة احتفالية عابرة ولا لحظة سياسية يُكتفى بتأريخها في الذاكرة الوطنية بل كان مسارًا طويلًا شاقًا ومكلفًا كُتب بالدم والفكرة معًا مسار بدأ من ساحات القتال حيث ارتفعت البنادق دفاعًا عن الكرامة وامتد إلى ميادين الوعي حيث تشكّلت الأفكار وتبلورت المطالب حتى تُوِّج برفع الراية الوطنية إيذانًا بميلاد الدولة المستقلة.

وفي قلب هذا المسار تقف معركة شيكان لا كحدثٍ عسكري فحسب بل كعلامة فارقة في تشكيل ّالوعي الوطني وشاهدٍ حي على أن الحرية لا تُمنح وإنما تُنتزع بإرادة الشعوب في شيكان لم يكن الصراع مجرد مواجهة بين جيشين بل اختبارًا قاسيًا لكرامة الإنسان السوداني في وجه الهيمنة الأجنبية هناك في سهول كردفان واجه المجاهدون جيشًا مدججًا بالسلاح و كان التنظيم بإيمانٍ لا يعرف التراجع ولا يقبل المساومة فكانت المعركة لحظة كسرٍ لهيبة المستعمر ولحظة ولادة لثقة جديدة في الذات الوطنية ورسالة واضحة بأن هذا الوطن عصيّ على الإخضاع وأن أبناءه قادرون على الدفاع عنه مهما اختلّ ميزان القوة.

لم تنتصر شيكان بالسلاح وحده بل انتصرت بالمعنى انتصرت حين أيقن السوداني أن الأرض التي يقف عليها ليست مجرد جغرافيا بل هوية تستحق الدفاع وأن الموت في سبيل الوطن حياةٌ ممتدة في ذاكرة الأجيال ومن هنا بدأت فكرة الوطن تتجاوز الانتماءات الضيقة وتتشكل كقيمة جامعة لا تميّز بين جهة وأخرى ولا بين قبيلة وأخرى.
ومن شيكان انفتحت فضاءات الفداء واتسعت رقعة الوعي الوطني ليتحوّل فعل المقاومة من بندقية في الميدان إلى فكرة في الوجدان الجمعي لم تتوقف روح الجهاد عند حدود السلاح بل تسللت إلى عقول النخبة الوطنية وإلى ضمير المجتمع فأنجبت حركة تحرر واعية أدركت أن الاستقلال الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها وإنما ببناء وعي جامع وتنظيم محكم وقدرة على تحويل التضحيات إلى مشروع وطني متكامل

ومع تعاقب السنوات برزت الحركة الوطنية السودانية كامتداد طبيعي لتضحيات المجاهدين فالأحزاب السياسية والنقابات والاتحادات الطلابية والصحافة الوطنية جميعها تشكّلت على خلفية تاريخ طويل من الفداء وتحولت الصحافة إلى ضمير يقظ يحمل همّ الوطن ويدافع عن حقه في الحرية والسيادة ويخوض معركة الوعي بذات الشجاعة التي خاضت بها معارك الميدان.

وعندما أُعلن الاستقلال في الأول من يناير 1956م لم يكن ذلك نهاية للنضال بل بداية لمرحلة أكثر تعقيدًا فقد انتقل الوطن من معركة التحرر إلى معركة البناء ومن مقاومة المستعمر إلى مواجهة تحديات الدولة الوليدة حيث يصبح الحفاظ على السيادة أصعب من انتزاعها ويصبح بناء الإنسان أكثر إلحاحًا من رفع الرايات.

وفي كل احتفال بالاستقلال يظل حضور القوات المسلحة السودانية علامة فارقة في المشهد الوطني فهذه المؤسسة ليست طارئة على تاريخ البلاد بل امتداد حي لمسيرة طويلة من الفداء إن مشاركتها في الاحتفالات ليست استعراضًا للقوة بل تجديدًا للعهد وتأكيدًا على أن الجندية السودانية مرتبطة جوهريًا بفكرة الوطن وبحماية سيادته وصون وحدته.

وحين تمر القوات المسلحة في ساحات الاحتفال تمر معها ذاكرة كاملة ذاكرة المجاهد في الميدان ودماء الشهداء التي روت الأرض وأحلام الأجيال التي وُلدت من رحم المعاناة في تلك اللحظة يصبح الاحتفال فعل وفاءقبل أن يكون طقسًا رسميًا شعار هذا العام للذكري _70_ للاستقلال غدا نعودوحتما نعود يحمل في طياته الكثير من معاني الإرادة والعزيمة بتحرير الوطن من كل شبر دنسته المليشيا المتمردة الارهابية.

*فاصلة*
أخطر ما يواجه الاستقلال اليوم ليس فقدان الأرض بل تمزيق المعنى فالوطن الذي وُلد من رحم التضحيات لا يجوز أن يُدار بمنطق المصالح الضيقة أو الحسابات المؤقتة إن الاهتمام بالوطن وفضاءات الفداء ليس ترفًا تاريخيًابل ضرورة وطنية لإعادة بناء الوعي وتصحيح المسار وتجديد العهد مع قيم الوحدة والمسؤولية الاستقلال كما كتبه الأبطال أمانة لا تسقط بالتقادم ومسؤولية لا تُؤجَّل وإما أن نكون على قدر تلك التضحيات أو نخون معناها بصمتنا فالوطن لا يُحفظ بالاحتفال وحده بل بصدق الانتماء،وشجاعة الموقف والوفاء لدمٍ لم يُسفك عبثًا.
اللهم أمنا في أوطاننا

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى