“المعدن الأصفر” ينقذ الكوكب.. كيف سيحدث الذهب ثورة خضراء في عالم الصناعة؟

لطالما ارتبط الذهب بالثراء والزينة، لكن العلم اليوم يكشف عن وجه آخر لهذا المعدن النفيس؛ وجه قد يجعله الركيزة الأساسية لصناعة “خضراء” ومستدامة. فقد توصل بحث جديد إلى حل لغز كيميائي معقد قد يغير طريقة تصنيع آلاف المنتجات التي نستخدمها يومياً.
”الأسيتالديهيد”: الجندي الخفي في حياتنا
في عمق الصناعات الحديثة، تقبع مادة تسمى “الأسيتالديهيد”. ورغم أن اسمها قد لا يبدو مألوفاً، إلا أنها “اللبنة الأساسية” في إنتاج قائمة طويلة من الضروريات، تشمل:
العطور والمنكهات الغذائية.
الأصباغ واللدائن (البلاستيك).
المطاط الصناعي والمواد اللاصقة.
المعضلة تكمن في أن الطريقة التقليدية لإنتاجها (عملية فاكر) مكلفة مادياً ومرهقة بيئياً، مما جعل العالم في سباق محموم للبحث عن بديل “أنظف”.
سحر الذهب النانوي: ثورة في “الحفز الكيميائي”
وفقاً لدراسة حديثة نشرتها دورية “Chinese Journal of Catalysis”، نجح فريق بحثي في تصميم “عوامل حفازة” ثورية تعتمد على جسيمات الذهب النانوية.
هذه التقنية لا تعتمد على الذهب وحده، بل على تركيبة هندسية دقيقة:
جسيمات ذهب نانوية: موضوعة على دعامة من أكاسيد “البيروفسكايت”.
تطعيم بالنحاس والمنغنيز: بنسب مدروسة لخلق “تآزر” كيميائي.
هذا المزيج العبقري حقق نتائج مذهلة؛ حيث وصلت كفاءة الإنتاج إلى 95% عند درجة حرارة منخفضة نسبيًا (225 درجة مئوية)، مع ثبات في التشغيل لمدة تصل إلى 80 ساعة دون توقف.
لماذا يعد هذا الاكتشاف “حلماً” للعلماء؟
تكمن عبقرية هذا الابتكار في قدرته على تحويل الإيثانول الحيوي (المستخرج من تخمير الكتلة الحيوية) إلى “أسيتالديهيد” بنقاء شبه تام. وبدلاً من النفايات الكيميائية الكبيرة التي كانت تتركها المحفزات القديمة، يقوم “تآزر الذهب والنحاس” بتوجيه التفاعل بدقة نحو المنتج المطلوب، مانعاً تكوّن نواتج جانبية غير مرغوب فيها.

من المختبر إلى المصنع: مستقبل أكثر خضرة
إذا نجح العلماء في نقل هذا الإنجاز من أنابيب الاختبار إلى المفاعلات الصناعية الضخمة، فإننا بصدد تحول جذري:
خفض استهلاك الطاقة: بفضل العمل في درجات حرارة أقل.
استدامة حقيقية: عبر الاعتماد على مصادر حيوية متجددة بدلاً من البترول.
كيمياء متجددة: فتح آفاق لإنتاج حمض الأسيتيك والمذيبات المستخدمة في الدهانات والأحبار بطرق صديقة للبيئة.
لم يعد الذهب مجرد ملاذ آمن للمستثمرين، بل أصبح اليوم “ملاذاً آمناً” للبيئة، يفتح الأبواب لعصر صناعي جديد يتصالح فيه العلم مع الطبيعة.





