الأخبارالسودانتقارير

وصول كميات من الأسلحة للمليشيا عبر أديس أبابا بدعم من أبوظبي

تقرير | محمد جمال قندول

التورّط الإثيوبي في حرب السودان لم يعد يحتاج لعناء بحث طويل، وذلك بتوجيه ودعم من أبوظبي. وكشفت بيانات تتبع الملاحة الجوية أول من أمس السبت ما وصف بالتحوّل الاستراتيجي الذي يبرز تصاعد الدور الإثيوبي في حرب السودان.
ورصدت التقارير الاستخباراتية تزايداً غير مسبوق في رحلات الشحن الجوي الإماراتية المشبوهة المتجهة إلى إثيوبيا منذ مطلع عام 2026م.

تحرّكات

وشهدت العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا توتّرات كبيرة خلال الشهر الماضي، وذلك بسبب استخدام أراضي الأخيرة في إطلاق مليشيا الدعم السريع مسيّرات من داخل أراضيها، ولعل أبرزها تلك التي قصفت مطار الخرطوم في مايو الماضي.

ويقول الكاتب الصحفي والمحلل السياسي د. إبراهيم شقلاوي إن بيانات تتبع الطيران تشكل أحد أهم مصادر المعلومات المفتوحة المستخدمة في تحليل النزاعات، لأنها تكشف أنماط الحركة اللوجستية والتغيرات في خطوط الإمداد بين الدول.
وتابع شقلاوي أنه في حال صحة ما أوردته التقارير بشأن الزيادة الملحوظة في رحلات الشحن المتجهة إلى إثيوبيا خلال الأشهر الأخيرة، فإن ذلك يمثّل مؤشراً خطيراً يستحق المتابعة والتحليل، خاصة في ظل الارتباط الوثيق بين حركة الإمداد والقدرات العملياتية لميليشيا الدعم السريع.

غير أن هذه البيانات تظل في إطار القرائن والمؤشرات، إذ إنها لا تكشف بمفردها طبيعة الشحنات أو الجهة المستفيدة منها بشكل قاطع.
وأضاف محدّثي أن الأبعاد السياسية والإقليمية مهمة، إذ تأتي هذه التطوّرات في سياق إقليمي شديد التعقيد، حيث أصبحت الحرب التي تجري في السودان متداخلة مع حسابات الأمن الإقليمي في القرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر، وأي حديث عن استخدام الأراضي الإثيوبية أو المجال اللوجستي الإثيوبي في مسارات مرتبطة بالحرب من شأنه أن يضيف بعداً جديداً للأزمة، ويعكس ربما انتقال الحرب من نطاقها الداخلي إلى الفضاء الإقليمي.

واعتبر د. إبراهيم بأن هذه المؤشرات تعزّز المخاوف من استمرار تدفّق الدعم الخارجي للميليشيا، الأمر الذي يطيل أمد الحرب ويعقد فرص الوصول إلى حلول، كما أن هذا الأمر يشكل تداعيات استراتيجية على السودان، فإذا ثبتت صحة هذه المعطيات من خلال أدلة إضافية وتحقيقات مستقلة، فإن الأمر سيحمل تداعيات استراتيجية مهمة على الأمن القومي السوداني وعلى علاقات السودان الإقليمية خصوصاً بإثيوبيا.

وبحسب شقلاوي، فإن استمرار أي شبكات دعم عابرة للحدود يعني أن إنهاء الحرب لن يكون رهيناً بالتطوّرات العسكرية الداخلية وحدها، بل سيتطلب أيضاً معالجة مصادر الإسناد الخارجية وتجفيف مسارات الإمداد.
ومن هنا تبرز أهمية تكثيف الجهود الدبلوماسية والأمنية السودانية، بالتوازي مع المطالبة بدور واضح لمجلس الأمن الدولي لمراقبة تنفيذ قرارات حظر السلاح، وكشف أدوار الأطراف الإقليمية والدولية في إمداد الميليشيا والانتهاكات التي تسهم في إطالة أمد الحرب.

واختتم الكاتب الصحفي والمحلل السياسي د. إبراهيم شقلاوي بأن هذه المعطيات تكشف عن البعد الإقليمي الطامع في موارد البلاد من خلال المشاركة في الحرب السودانية، وتؤكد أن قراءة الصراع لم تعد ممكنة من خلال التطورات الميدانية فقط، بل عبر فهم شبكة المصالح والنفوذ والتحرّكات اللوجستية العابرة للحدود التي تؤثر بصورة مباشرة في مسار الحرب ومستقبل الاستقرار في السودان.

وبدوره قال مستشار رئيس مجلس السيادة للشؤون السياسية د. أمجد فريد إن بيانات التتبع المفتوحة لحركة الطيران وثّقت خلال شهر مايو المنصرم وحده أكثر من “44” رحلة شحن عسكرية غير مسجلة، انطلقت من قواعد عسكرية داخل الإمارات نحو إثيوبيا لإمداد ميليشيا الدعم السريع بالأسلحة والمعدات.

وأشار فريد إلى أن الأرقام هنا لا تحكي قصة لوجستيات جوية فحسب، بل قصة رعاية متواصلة لحرب تُسفك فيها دماء السودانيين كل يوم.
وأضاف: “يبدو أن مشيخة أبوظبي لم تكتفِ بعد بما أُريق من دم سوداني، ولم ترتدع عن مشروعها التخريبي، بل ما تزال تطلب المزيد من الدماء، وتواصل الاستثمار في إطالة الحرب وتغذية آلة القتل الميليشاوية”.

ونوّه إلى أن هذا ليس حادثاً عارضاً، بل نمطٌ تصاعدي بدأ منذ ديسمبر 2025م، عقب تجفيف مسارات الإمداد السابقة عبر ليبيا وبوصاصو، فبعد تسجيل “22” رحلة في مارس، و”27″ رحلة في أبريل، قفز العدد إلى “44” رحلة في مايو، وهو أعلى رقم شهري مسجل لرحلات الشحن غير المعلنة بين الإمارات وإثيوبيا، متجاوزاً حتى مؤشرات الجسر الجوي الذي شغّلته أبوظبي نحو إثيوبيا خلال حرب التيغراي 2020م.

صراع

ويرى الخبير الاستراتيجي المتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية العميد الركن د. جمال الشهيد، القائد السابق بالجيش السوداني، أن الحرب التي اندلعت في السودان في الخامس عشر من أبريل 2023م لم تكن مجرّد مواجهة عسكرية داخلية بين الدولة ومليشيا الدعم السريع، وإنما تحوّلت مع مرور الوقت إلى صراع ذي أبعاد إقليمية وجيوسياسية معقدة، تداخلت فيه حسابات الأمن القومي ومصالح القوى الإقليمية والدولية، الأمر الذي جعل مسارات الإمداد والدعم الخارجي إحدى أهم العوامل المؤثرة في مسار العمليات العسكرية وتطوراتها.

ويضيف الشهيد أن ما كشفته مؤخراً بيانات تتبع الملاحة الجوية والتقارير الاستخباراتية مفتوحة المصدر بشأن الزيادة الملحوظة في رحلات الشحن الجوي المتجهة إلى إثيوبيا منذ مطلع عام 2026م، مقابل تراجع الرحلات المتجهة إلى ليبيا، يمثل مؤشراً يستحق التوقّف عنده ودراسته بعناية، خاصة في ظل التطورات الميدانية التي شهدتها الساحة السودانية خلال الأشهر الأخيرة.

ويشير إلى أن الميليشيا اعتمدت منذ اندلاع الحرب على شبكات إمداد خارجية متعدّدة ومتغيرة بحسب الظروف العسكرية والميدانية، وأن النجاحات التي حققتها القوات المسلحة السودانية والقوات المساندة لها في استعادة مساحات واسعة من الأراضي السودانية وتضييق الخناق على خطوط الحركة والإمداد التقليدية، ربما دفعت الجهات الداعمة للميليشيا – وفقاً لما تطرحه بعض التحليلات والتقديرات – إلى البحث عن مسارات بديلة وأكثر أمناً لاستمرار عمليات الإسناد والدعم.

ويؤكد العميد د. جمال الشهيد أن إثيوبيا تمثل رقماً مهماً في معادلات الأمن الإقليمي بالقرن الإفريقي، كما أنها ترتبط مع السودان بعدد من الملفات الاستراتيجية الحساسة، على رأسها قضية الفشقة الحدودية وسد النهضة وأمن البحر الأحمر والتنافس على النفوذ في الإقليم، وهو ما يجعل أي نشاط استثنائي في المناطق المتاخمة للحدود السودانية محل اهتمام ومتابعة دقيقة من المؤسسات المختصة في السودان.

ويرى الشهيد أن التعدّيات والاختراقات التي شهدتها الحدود السودانية الإثيوبية خلال السنوات الماضية لا يمكن فصلها عن حالة السيولة الأمنية التي فرضتها الحرب داخل السودان، إذ تسعى بعض الأطراف الإقليمية، بحسب تقديره، إلى استثمار حالة الانشغال الداخلي السوداني لتحقيق مكسوب استراتيجية أو تحسين مواقعها التفاوضية في ملفات الخلاف القائمة.

ويضيف الدكتور جمال أن ما يلفت الانتباه بصورة أكبر هو تزامن الحديث عن تنامي النشاط اللوجستي في بعض المناطق الإثيوبية مع تكرار الاتهامات المتعلقة بانطلاق طائرات مسيرة أو أنشطة مرتبطة بالحرب من مناطق قريبة من الحدود السودانية، الأمر الذي يستوجب مزيداً من الرصد والتحقق والتوثيق عبر القنوات الرسمية والآليات الدولية المختصة.

ويؤكد الشهيد أن قراءة هذه التطوّرات لا ينبغي أن تتم بمعزل عن التحولات الكبرى التي يشهدها القرن الإفريقي، والذي أصبح ساحة تنافس إقليمي ودولي مفتوح بحكم موقعه الاستراتيجي وإشرافه على أهم الممرات البحرية العالمية المرتبطة بالبحر الأحمر وباب المندب، فضلاً عن ارتباطه المباشر بأمن الطاقة والتجارة الدولية.

ويضيف أن السودان يمثل محوراً أساسياً في معادلة الاستقرار الإقليمي، وأن أي محاولات لإطالة أمد الحرب أو إضعاف مؤسسات الدولة السودانية لن تقتصر آثارها على الداخل السوداني فحسب، وإنما ستمتد تداعياتها إلى مجمل الإقليم، بما في ذلك دول القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
وحول دلالات التحوّل المحتمل في مسارات النقل والشحن الجوي، يرى الشهيد أن الأمر قد يعكس إعادة تموضع

لوجستي تتكيف من خلاله الجهات الداعمة للميليشيا مع المتغيرات الميدانية الجديدة، أو محاولة للبحث عن مسارات أقل تعرضاً للرقابة والضغوط السياسية، أو سعياً لتوسيع نطاق شبكات الإسناد عبر مناطق جديدة في الإقليم، مع التأكيد على أن بيانات الملاحة الجوية وحدها لا تكفي لإثبات طبيعة الشحنات أو وجهتها النهائية ما لم تدعمها أدلة إضافية وتحقيقات موثقة.

ويختتم الشهيد إفادته بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تفرض على السودان مضاعفة الجهود لتأمين حدوده الشرقية، وتعزيز قدراته الاستخبارية والاستطلاعية، وتكثيف العمل الدبلوماسي والقانوني لتوثيق أي تدخلات أو انتهاكات تمس سيادته الوطنية، إلى جانب مواصلة تعزيز الجبهة الداخلية باعتبارها الركيزة الأساسية لصمود الدولة في مواجهة التحديات الراهنة.

مشدداً على أن معركة السودان اليوم لم تعد معركة ميدان عسكري فحسب، بل أصبحت معركة سيادة وطنية وإرادة دولة، تتطلب توحيد الصفوف وحشد القدرات الوطنية لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وصون أمن السودان واستقراره ووحدة أراضيه.

 

المصدر |  صحيفة الكرامة 

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى