الأخبارمقالات

نحو نهضةٍ قرويةٍ ذاتيةٍ في السودان (1 من 19): لماذا لا ننتظر اكتمال الإصلاح العام؟

بهدوءٍ وتدبّر |محمد عثمان الشيخ النبوي

لقد كنا، ولا نزال، نؤمن بأن النهضة الحقيقية للسودان تبدأ بإصلاح البيئة العامة للدولة إصلاحًا مؤسسيًا شاملًا يضبط الإدارة، ويحرر الاقتصاد، ويُحكم القانون، ويُهيئ المناخ لانتظام النشاط الإنتاجي في مختلف القطاعات. ونؤكد أن هذا المسار يظل هدفًا مركزيًا لا غنى عنه، ولا يمكن لأي مشروع جزئي أن يغني عنه أو يحل محله.

غير أن بطء التحرك في هذا الاتجاه، وضعف الوتيرة مقارنة بثقل الأزمة، يجعل الانتظار وحده خيارًا مكلفًا لا تحتمله المجتمعات المحلية التي تتآكل فرصها يومًا بعد يوم. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التمييز بين أولوية الإصلاح العام وإمكانية الفعل المحلي؛ فالأول مطلوب بإلحاح، والثاني ممكن بلا تأجيل.

إن تعليق كل أملٍ على اكتمال الإصلاح العام قبل أن نتحرك في محيطنا المباشر يعني عمليًا تجميد طاقات المجتمع، وتأجيل ما يمكن إنجازه اليوم إلى أجلٍ غير معلوم. فالإصلاح الشامل، وإن كان الطريق الأمثل، ليس شرطًا لازمًا لكل خطوة جزئية ممكنة. والقرية تستطيع، حتى في بيئة عامة لم تكتمل إصلاحاتها بعد، أن تُنظم إنتاجها، وتُعيد ترتيب أولوياتها، وتُحسن إدارة مواردها، وتُدخل تحسينات بسيطة تُضاعف أثر ما هو قائم بالفعل.

وليس المقصود هنا تحميل المجتمع ما لا يطيق، ولا نقل عبء الإصلاح من الدولة إلى الناس، بل تمكين المجتمع من ممارسة حقه الطبيعي في تحسين شروط حياته بما هو متاح له. فثمة فرق كبير بين أن يُترك المجتمع وحيدًا، وبين أن يتحرك بنفسه في حدود الممكن، بينما يظل الإصلاح العام مطلبًا قائمًا لا يسقط.

كما أن هذا المسار القاعدي لا يُعطل الإصلاح الوطني، بل يُسهم في تهيئته؛ إذ يُظهر أن المجتمع حين يُحسن تنظيم نفسه يستطيع أن ينتج، وأن يُدير، وأن يُحسن استخدام موارده. وهذه رسالة عملية أقوى من كثير من الخطابات النظرية، لأنها تصدر من الواقع لا من التمنّي.

إن النهضة القروية الذاتية، في هذا السياق، ليست مشروعًا مثاليًا يفترض وفرة الموارد، بل هي منهج عملي يبدأ من أبسط ما هو متاح:
تنظيمٌ أفضل، حسابٌ أدق، تعاونٌ أوسع، وخطوةٌ صغيرة في اتجاه إضافة القيمة بدل بيع الخام. هذه التحسينات، وإن بدت محدودة، فإن أثرها التراكمي قد يكون كبيرًا إذا استمر العمل بها بانضباط.

فالقرية التي تُنظم جمعيتها التعاونية، وتختار منتجًا محوريًا تتخصص فيه، وتُنشئ صندوقًا دوّارًا بسيطًا، وتُحسن توقيت البيع، لا تحتاج إلى ميزانيات ضخمة بقدر حاجتها إلى وعي جماعي، وإدارة منضبطة، وخطة قصيرة قابلة للقياس. والبداية في مثل هذه المسارات لا تكون بالكِبر، بل بالإتقان.

وحين تنجح تجربة واحدة، فإنها لا تُحسن واقع أهلها فحسب، بل تُرسل كذلك رسالتين واضحتين:
رسالة أمل إلى القرى الأخرى بأن التحسن ممكن، ورسالة عملية إلى صانع القرار بأن المجتمع قادر على الفعل حين تتاح له أدوات التنظيم.

إننا لا نقلل من شأن الإصلاح العام، ولا نستبدل به مسارًا جزئيًا، لكننا نرفض أن يتحول تأخره إلى مبرر للجمود. فالنهضة الشاملة مسار طويل، أما تحسين الواقع القروي فهو مسار يمكن أن يبدأ اليوم، ولو بخطوات محدودة.

ومن هنا جاءت هذه الدعوة إلى نهضةٍ قرويةٍ ذاتيةٍ في السودان، تنطلق من القاعدة، وتتحرك وفق منهج عملي واضح، وتُراكم نجاحات صغيرة متتالية حتى تُكوّن، مع مرور الوقت، تحولًا حقيقيًا في الاقتصاد المحلي. وهذه السلسلة ليست خطابًا إنشائيًا، بل محاولة لبناء برنامج عمل قابل للتطبيق، خطوةً خطوة، بحيث تتمكن أي قرية من أن تبدأ بما لديها، وأن تُحسن أداءها خلال فترة معقولة إذا أحسنت التنظيم والتخصص وإضافة القيمة.

إن البداية الصحيحة لا تشترط اكتمال كل الظروف، بل تشترط وضوح الوجهة، وحسن استثمار الممكن. وحين تفهم القرية هذه الحقيقة، فإنها تكون قد وضعت قدمها الأولى على طريق التحول.

وفي المقال القادم ننتقل إلى سؤال مباشر يمس واقعنا اليومي:
لماذا تتعثر قرانا رغم وفرة الموارد؟
ومن هناك يبدأ التشخيص التفصيلي الذي يُمهد لوضع الحلول العملية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى