محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب:.. بهدوء و تدبر..السودان: (2 من 2) بين واشنطن وبكين

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب:.. بهدوء و تدبر..السودان: (2 من 2) بين واشنطن وبكين
بعد أن تناولنا في المقال السابق أهمية الشراكة مع الصين كمدخلٍ لإعادة بناء السودان، ننتقل اليوم إلى المشهد الأوسع، حيث تتشكل ملامح نظامٍ ماليٍّ عالميٍّ جديد، يقف فيه السودان بين واشنطن وبكين أمام خياراتٍ مصيرية ستحدّد مستقبله الاقتصادي والسياسي لعقودٍ قادمة.
في عالمٍ تُحرّكه الأرقام وتتحكم فيه الشيفرات، لم تعد المعارك تُدار فقط في ميادين السلاح، بل في شبكات المال التي تحكم حركة التجارة والاقتصاد العالمي. فمنذ عقود، يهيمن النظام المالي الغربي بقيادة الولايات المتحدة على حركة الأموال بين البنوك عبر منظومة «سويفت» الشهيرة، التي تُعد الشريان الرئيس لتحويل الأموال بين أكثر من مئتي دولة ومؤسسة مالية حول العالم. هذه المنظومة لا تنقل الأموال فعليًا، بل تُرسل التعليمات المؤمّنة التي تسمح بها، لكنها منحت واشنطن نفوذًا هائلًا على الاقتصاد العالمي، إذ يستطيع البيت الأبيض بموجب هيمنته على الدولار أن يراقب التدفقات المالية، وأن يُعاقب دولًا بأكملها عبر حرمانها من الوصول إلى هذا النظام.
لقد ذاقت دول كثيرة مرارة هذا السلاح الصامت. فإيران وسوريا، على سبيل المثال، واجهتا عزلة مالية خانقة بسبب العقوبات التي منعت بنوكهما من استخدام سويفت، مما جعل التحويلات الخارجية شبه مستحيلة. أما روسيا، فقد وجدت نفسها بعد حرب أوكرانيا معزولة عن النظام المالي الغربي، فعُطّلت بطاقاتها البنكية العالمية، وتوقفت تعاملاتها بالدولار واليورو. وهكذا اتضح أن سويفت لم يكن مجرد أداة تقنية، بل ذراعًا سياسية واقتصادية تخدم مصالح من يملكون مفاتيحه.
غير أن الشرق لم يبقَ متفرجًا. فالصين التي كانت تراقب صعودها الاقتصادي الهائل وهي لا تزال مضطرة للعب ضمن قواعد الدولار، أدركت أن التحرر المالي شرطٌ لاستقلال القرار السياسي. فأنشأت منظومة «سيبس» (CIPS)، أي نظام المدفوعات عبر الحدود بين البنوك، الذي يؤدي الوظيفة نفسها التي يؤديها سويفت ولكن باستخدام اليوان الصيني وبإشراف مباشر من البنك المركزي الصيني. ورغم أن النظام الجديد لم يصل بعد إلى مستوى الانتشار العالمي الذي يتمتع به سويفت، إلا أنه بدأ يجذب البنوك في آسيا وروسيا وبعض دول الشرق الأوسط وأفريقيا، لما يوفره من سرعةٍ وأمانٍ وتكلفةٍ أقل، ولأنه يفتح الباب أمام تسوياتٍ ماليةٍ لا تمر عبر الدولار الأمريكي. كما يحظى هذا النظام بدعمٍ متزايد من دول مجموعة البريكس التي تتبنى هي الأخرى مشروعًا للتحرر من هيمنة الدولار وبناء شبكة مالية عالمية موازية تعكس توازن القوى الجديد في العالم.
وبموازاة ذلك، تعمل بكين على تطوير «اليوان الرقمي» الذي تسعى لجعله عملةَ تسويةٍ عابرةٍ للحدود، مدعومةً بالثقة في الاقتصاد الصيني وبضمان الدولة. وإذا نجح هذا المسار، فسيتحول إلى نقلةٍ نوعية تُضعف قبضة الدولار، وتُقلص العمولات الهائلة التي تجنيها البنوك والشركات الأمريكية من كل تحويلٍ يمر عبر نظامها المالي. فكل دولارٍ ينتقل اليوم بين القارات، تمر إشاراته عبر النظام الأمريكي أولًا، وكأن العالم يقدّم تقاريره المالية اليومية إلى واشنطن. أما بكين فتطمح إلى أن يكون لكل معاملةٍ طريقٌ آخر مستقل لا يخضع للرقابة السياسية.
لقد شمل أثر الهيمنة المالية الأمريكية السودان أيضًا، وإن بصورة غير مباشرة؛ إذ ظلّت العقوبات الأمريكية المفروضة عليه منذ التسعينات سببًا في عزله عن النظام المالي العالمي، وتقييد تعاملات بنوكه الخارجية، ومنعه من الاستفادة من منظومة سويفت لسنوات طويلة. وقد عطّل ذلك قدرة السودان على جذب الاستثمارات، وأجبره على الاعتماد على وسطاء خارجيين في أبسط معاملاته البنكية. واليوم، مع تحرك العالم نحو نظامٍ ماليٍّ متعدد الأقطاب، تتاح أمام السودان فرصةٌ تاريخيةٌ للخروج من هذا الأسر المالي، إذا أحسن توظيف الحراك العالمي الجديد.
ولتحقيق ذلك، لا بد أن يخطو السودان خطواتٍ عمليةً واضحة: أولها تحرير نظامه المالي والمصرفي من القيود الإدارية التي تخنق التحويلات وتمنع الثقة، وثانيها الانفتاح المنظّم على الشراكات المصرفية في آسيا وأفريقيا وربط البنوك الوطنية بمنصات المدفوعات الجديدة مثل «سيبس»، وثالثها التحول الرقمي الكامل للقطاع المالي لضمان الشفافية وتتبع الأموال بطريقةٍ آمنةٍ وذكية، ورابعها إصلاح التشريعات الاستثمارية والمصرفية لجعل السودان بيئةً جاذبةً للمصارف الدولية وشركات التقنية المالية الحديثة. فإذا اجتمعت هذه الخطوات تحت مظلة حوكمةٍ رشيدةٍ ورقمنةٍ شاملة، فإن السودان سيجد نفسه شريكًا في الاقتصاد الجديد لا ضحية له.
ونعود مؤكدين أن الركن الأكبر في كل ذلك لا يقوم بالمقام الأول على الخارج، بل على إصلاح الداخل نفسه. فالسودان لن يستفيد من أي تحولٍ عالمي ما لم يُصلح بيئته الداخلية أولًا، عبر التحرير الشامل لاقتصاده، وبناء منظومة حوكمةٍ فعّالة، ورقمنة مؤسسات الدولة، وضمان نفاذ القانون على الجميع بلا استثناء. فهذه هي الأركان الأربعة التي تُكسب أي دولةٍ المصداقية والثقة في الأسواق الدولية وتجعلها مؤهلةً للاندماج في النظام المالي الجديد. فالمال لا يتحرك نحو الفوضى، بل نحو البيئة التي تضمن الشفافية والاستقرار والعدالة.
إن هذا التحول ليس مجرد منافسةٍ اقتصادية، بل هو صراعٌ على السيادة، بين من يريد أن يحتكر مفاتيح المال، ومن يسعى إلى كسر الاحتكار وخلق نظامٍ متعدد الأقطاب. فنجاح الصين في بناء شبكةٍ ماليةٍ بديلة يعني أن العقوبات الأمريكية ستفقد جزءًا كبيرًا من قوتها، وأن العالم سيستعيد شيئًا من توازنه، حين لا تكون عملةُ دولةٍ واحدةٍ هي مقياس الثقة والهيمنة في آنٍ واحد.
ومع ذلك، فإن الطريق ما يزال طويلًا. فالدولار لا يُهيمن فقط بالقوة الاقتصادية، بل أيضًا بعمق الثقة التي تستمدها أنظمةٌ وتكنولوجيا تحميها قوةٌ وتستند إلى مؤسساتٍ ماليةٍ عملاقةٍ تمتد جذورها لعقود. فالثقة الواسعة لا تُبنى بالشعارات، بل بالقوة التي تحميها، وبالأنظمة التي تصونها، وبالتوازن بين الردع والعدل، وبين السيطرة والانفتاح.
وفي النهاية، سيحكم المستقبل لمن يجيد الجمع بين القوة التي تحمي، والثقة التي تُبنى، والعقل الذي يُنظّم. وعلى أمثال دولنا أن تُحسن الإفادة القصوى من هذه الصراعات الكبرى بين القوى العظمى؛ لتخرج بأدنى الخسائر وأعظم الغنائم، عبر سياساتٍ مرنةٍ تستثمر التنافس الدولي في توسيع مجالات الشراكة وتنويع الشركاء وتسريع الإصلاحات الداخلية في الحوكمة والرقمنة والبيئة الاستثمارية، وأن تُغري الجميع بالتنافس على استثمار مواردها، لتجعل من تناقضات الكبار وسيلةً لصدّ بعضهم ببعض عن التغوّل والطغيان عليها، وتحويل ميدان الصراع الدولي إلى مجالٍ للنفع الوطني والبناء الذكي.
فالسودان بما يمتلكه من مواردٍ وموقعٍ ومجالٍ رقميٍّ صاعد، مؤهلٌ لأن يكون نقطةَ جذبٍ للشرق والغرب، لا حبًّا بل طمعًا وحرصًا، لا ساحةَ تنازعٍ عليه منهما، إن أحسن ترتيب أوراقه وإدارة ذكائه الاقتصادي والسيادي.





