
في الذاكرة روائح لا تُنسى، لا تُرى ولا تُمسك، لكنها تقتحم القلب فجأة كما لو أنها كانت تنتظر لحظة ضعف لتعود. عبق الذاكرة ليس دائمًا عطرًا جميلًا؛ أحيانًا يكون مزيجًا ثقيلًا من الوعود المنسية، والضحكات التي انطفأت، والخذلان الذي ترك أثره عميقًا في الروح. عن الخذلان نحكي، لا بوصفه حادثة عابرة، بل بوصفه تجربة إنسانية مشتركة، تتكرر بأشكال مختلفة وتترك بصمتها في وجدان الأفراد والمجتمعات.
الخذلان: حين تسقط التوقعات
الخذلان لا يولد من العدم، بل ينبت في المسافة بين ما ننتظر وما يحدث فعليًا. هو لحظة إدراك قاسية بأن الثقة التي منحناها كانت أكبر من قدرة الطرف الآخر على الوفاء. في العلاقات الإنسانية، يكون الخذلان أشد وقعًا عندما يأتي من الأقرب: صديق، شريك، أو حتى مؤسسة وعدت بالحماية والدعم.
يقول علماء الاجتماع إن الخذلان ليس مجرد فشل في تحقيق وعد، بل هو كسر ضمني لعقد أخلاقي غير مكتوب. هذا الكسر يترك الفرد في حالة ارتباك: هل الخطأ في الثقة أم فيمن خذل؟ سؤال يتكرر في أذهان كثيرين، ولا يجد إجابة سهلة.
الذاكرة بوصفها شاهدًا لا ينسى
الذاكرة لا تحفظ الأحداث كما هي، بل تعيد تشكيلها عبر الزمن. ومع ذلك، يبقى الخذلان حاضرًا بقوة، لأنه مرتبط بمشاعر مكثفة: الألم، الغضب، والحزن. كلما مرّ الزمن، قد تخف حدّة المشاعر، لكن العبق يبقى؛ رائحة التجربة التي تذكرنا بما حدث كلما واجهنا موقفًا مشابهًا.
في المجتمعات العربية، تلعب الذاكرة الجماعية دورًا مهمًا في تضخيم أو تخفيف أثر الخذلان. خذلان سياسي، أو اجتماعي، أو حتى ثقافي، يتحول مع الوقت إلى سردية عامة، تُروى في المجالس وتُستعاد في الأزمات، لتؤثر في مستوى الثقة بين الأفراد والمؤسسات.
الخذلان الاجتماعي والسياسي
لا يقتصر الخذلان على العلاقات الشخصية. حين يشعر المواطن بأن صوته لا يُسمع، أو أن وعود الإصلاح تتبخر، يتحول الخذلان إلى حالة عامة. هذا النوع من الخذلان أخطر، لأنه لا يصيب فردًا واحدًا، بل يطال مجتمعًا كاملًا، مخلّفًا شعورًا بالعجز واللاجدوى.
سنعود ….





