صديق البادي يكتب| رسائل للسيد الرئيس البرهان الرسالة الخامسة: العلاقات السودانية الأمريكية

قبل استقلال السودان لم تكن له أية علاقة تذكر مع الولايات المتحدة الأمريكية وبعد ان نال استقلاله في عام ١٩٥٦م، انضم للأمم المتحدة ،ونال عضويتها ومقر المنظمة الدولية بالولايات المتحدة الأمريكية في نيويورك. وشغل فيها عدد من السودانيين في أزمان مختلفة مواقع مرموقة.. وكونت وزارة الخارجية بعد الاستقلال وكان أول وزير لها هو السيد مبارك زروق وتم تبادل تمثيل ديبلوماسي مع أمريكا وعين
سفير للسودان بأمريكا وسفير لأمريكا بالسودان ولم يكن بين البلدين تبادل تجاري يذكر، ولكن أتيحت فرص لمنح دراسية فوق الجامعية، أو لإكمال الدراسة الجامعية بأمريكا. وفي عام ١٩٥٨م زار نيكسون نائب الرئيس الأمريكي السودان مبشراً بمشروع ايزنهاور، وفي إطار المعونة الأمريكية وهي هدية للسودان أقيم شارع الخرطوم مدني وشارع المعونة بالخرطوم بحري وأشياء أخرى. وفي عام الجفاف والتصحر (١٩٨٤م) الذي أعقبته فجوة غذائية أو قل مجاعة في بعض أرجاء القطر ساهمت أمريكا وقدمت
مشكورة دعماً كبيراً لا ينكره إلا جاحد ،لسد الفجوة الغذائية وسميت المعونة (عيش ريغان) وكانت تحوي مواد تموينية عديدة بجانب الدقيق الذي أحضر بكميات كبيرة وشمل توزيع المنحة مناطق كثيرة لا تعاني من أية ضائقة أو فجوة غذائية، ولكن غير تلك الأشياء والمنح التي قدمت في عهد ايزنهاور ، وفي عهد ريغان، ظلت أمريكا قابضة ولم تقدم للسودان شيئاً يذكر. و الحكم العسكري النوفمبري برئاسة الفريق إبراهيم عبود استفاد من المناورات ،ومحاولة
الاستقطاب إبان الحرب الباردة بين القطبين الدوليين المتنافسين وحصل على منح تنموية، ومصالح نالها من الشرق والغرب ،ومن دول عدم الانحياز، وزار السودان عدد من الرؤساء منهم: الرئيس جمال عبد الناصر الذي أمضى عشرة أيام بالسودان في عام 1960م. ومنهم الرئيس تيتو، والرئيس نكروما، وكان مقرراً أن تزور السودان الملكة إليزابيث في ذلك العهد، ولكن الزيارة تأجلت بسبب ثورة أكتوبر عام 1964 م وتم تنفيذ الزيارة في شهر فبراير عام 1965م، وزار السودان رئيس مجلس الدولة السوفيتي برجنيف وبعد زيارته هادن الحزب الشيوعي السوداني النظام العسكري النوفمبري وأصبح أليفاً أنيساً. ووجهت
دعوة للرئيس إبراهيم عبود لزيارة الولايات المتحدة الأمريكية هو والوفد المرافق له. وأرسل الرئيس جون كنيدي طائرة خاصة نقلت الرئيس عبود والوفد المرافق له، وكان في استقباله بالمطار الرئيس كنيدي وزوجته جاكلين كنيدي، ووجد استقبالاً حافلاً ،وقدموا لهم منحة في تلك الزيارة، وكانت منحهم ستتوالي عليهم وشاءت إرادة الله سبحانه وتعالى أن يتم اغتيال الرئيس كنيدي في تكساس. ولعل خليفته الرئيس ليندون جونسون قد انشغل بحربهم مع فيتنام وغيرها من القضايا، وأصبح ما بدأه سلفه الرئيس كنيدي عن السودان نسياً منسياً. وبعد ثورة أكتوبر في عام
1964م كونت حكومة أكتوبر الأولى التي قامت ضدها مظاهرات هادرة وأسقطت، واستبدلت بحكومة أكتوبر الثانية والحكومة الأولى سيطر عليها الشيوعيون وكانوا يسيرون المظاهرات المعادية لأمريكا، ويهتفون ضدها أمام سفارتها بالخرطوم .وكانوا يكثرون الحديث عن الإمبريالية والاستعمار الحديث. وفي بدايات عهد مايو سيطر الشيوعيون اليسار على السلطة واتجهوا نحو الدول الشرقية والكتلة الشيوعية وأظهروا عداءاً سافراً لأمريكا فكانوا يسيرون المظاهرات، ويكثرون الهتافات أمام سفارتها. وبعد فشل انقلاب هاشم العطا في شهر يوليو عام 1971م أدار النظام المايوي ظهره للدول الشرقية والكتلة الشيوعية
واتجه لأمريكا والغرب. وبعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين الرئيس السادات ورئيس الوزراء الاسرائيلي بيقن أيد النظام المايوي تلك الاتفاقية كسباً لود مصر لأن بينهم وبينها اتفاقية دفاع مشترك. وانصاغ النظام بعد ذلك في المسار الأمريكي وسياسات البنك الدولي وتطبيق فاتورة صندوق النقد الدولي. وفي عام 1978م طبق كادر زيادة المرتبات للعاملين في الدولة وتبعاً لذلك زادت المرتبات والإمتيازات في القطاع الخاص، وحدث تضخم والجنيه السوداني كان له وزنه وقوته الشرائية يساوي ثلاثة دولارات وثلث وفي عام
1978م اقر أن يكون للدولار سعرين هما السعر الرسمي والسعر في السوق الموازي (الأسود). وتم التصديق لما يعرف بالصرافات وأصبح للدولار سطوة وأخذ يباع وبقية العملات الحرة الأخرى في الشوارع جهاراً نهاراً واذا حدثت أحياناً مداهمات يتم بيعه سراً في الأزقة الجانبية وغيرها وكثر السماسرة وأخذت أسعاره تزداد تباعاً. وكان الجنيه السوداني القديم كما أسلفت يساوي ثلاثة دولارات وثلث. وأصبح سعر الدولار اليوم حوالي ثلاثة الف وخمس مائة جنيهاً .وهذا يعني أن الجنيه السوداني (القديم) يساوي بالجنيه السوداني (الجديد) اثني عشر الف جنيه. وهوى الجنيه السوداني القديم الشامخ من عليائه إلى أسفل سافلين.
وبدأت شركة شيفرون الأمريكية في عمليات الاستكشاف والتنقيب عن البترول واستغرق ذلك عدة سنوات ،وكادت تصل لمرحلة استخراجه وضخه ولكنها توقفت وجمدت عملها في السودان وعللت الادارة الامريكية ذلك بسبب إعلان تطبيق القوانين الاسلامية في شهر سبتمبر عام 1983م. وقبل ذلك بثلاثة أشهر اشتعلت شرارة التمرد مرة أخرى في الجنوب في شهر يونيو عام 1983م وبدأت حركة التمرد الجديدة عملها في أديس أبابا بعد أن سجلت قيادتها زيارة لليبيا والتقت بواسطة بعض المعارضين السودانيين
بالرئيس الليبي القذافي الذي دعمهم وشجعهم علي المضي قدماً في تمردهم نكاية في خصمه اللدود الرئيس جعفر النميري. وفي أديس أبابا كانوا لصيقين بمنقستو واعلنوا منفيستو شيوعي لحركتهم التي غير قادتها بعد ذلك مسارها مائة وثمانين درجة، وارتموا في أحضان أمريكا والغرب، والقوى الكنسية التي أرادت أن تكون الحرب استنزافية طويلة المدى، لئلا ينعم السودان بالاستقرار ويكون في حالة حرب واضطرابات أمنية ودعموا الحركة دعماً كبيراً مالياً ولوجستياً وبعد مسيرة لا يتسع المجال للخوض في
تفاصيلها وصلوا في نهاية المطاف لمبتغاهم بفصل دولة جنوب السودان. واذا عدنا للوراء فقد سقط النظام المايوي في شهر أبريل عام 1985م وأجريت انتخابات عامة في عام 1986م وكونت حكومة منتخبة في ظل نظام برلماني تم إعادة تشكيلها خمس مرات وتعاقب على وزارة الخارجية ستة وزراء خارجية هم الشريف زين العابدين الهندي، الذي قدم استقالته والأستاذ محمد توفيق الذي قدم استقالته، وأرسلها من القاهرة حين صرح للصحف بأنه خرج من (الجوطة) ودكتور مأمون سنادة ،ودكتور حسين سليمان أبو صالح، ودكتور حسن الترابي ،والأستاذ سيد أحمد الحسين، رحمهم الله جميعاً .وأمريكا لم تقدم أية دعم لتلك الحكومة وتعاملوا معها كأنها عدة أصفار على الشمال فكانت غاضبة لأن من وعدوها لم يوفوا بعهدهم ووعدهم لها بإلغاء قوانين
سبتمبر كما كانوا يسمونها .بل إنهم دغدغوا عواطف الناخبين وخاضوا الانتخابات وحصدوا الأصوات، وحصلوا على المقاعد في البرلمان بتقديم برامج ورفع شعارات اسلامية. وفي الثلاثين عاماً الممتدة من ليلة الجمعة الموافق الثلاثين من يونيو عام 1989م وحتى يوم السبت الموافق الحادي عشر من شهر أبريل عام 2019م سيطر على الحكم نظام الانقاذ الذي أضحي منذ سبعة اعوام في ذمة ومحكمة التاريخ ،بكل ما له وما عليه والتجربة الطويلة ملكيتها لكل السودانيين والإنسانية جمعاء للاستفادة من دروسها وعبرها .وهي ليست ملكاً لفرد او لجماعة او تنظيم وما يهم هنا في هذا الحيز الضيق هو الوقوف عند الجزئية المتعلقة بأمريكا. وعندما كان النظام السابق في بدايته كان
شيخ الحركة الاسلامية وعراب النظام ومفكره معتقلاً في السجن .باتفاق بينهم والقائمون بالأمر بالوكالة لم ينالوا تجربة في الحكم كرجال دولة ،وقد ارتبطوا باتحادات الطلاب واركان النقاش، وفيهم روح الشباب الوثابة، وعبأوا من معهم وشحنوهم عاطفياً وبحماس كانوا يهتفون في التجمعات الكثيرة يا أمريكا لمي جدادك – الطاغية الأمريكان ليكم تسلحنا – امريكا وروسيا قد دنا عذابهما وسنقود العالم اجمع- والاذاعة السودانية كانت تخصص يومياً حديثاً فظاً بذيئاً بلسان الدولة تكال فيه الشتائم والاساءات والتجريح للدول والشخصيات القيادية فيها مع تخصيص حيز لشتم امريكا ووصفها بأنها دولة الشر والشيطان الأكبر .وورد في خطاب رئاسي غاضب في لقاء جماهيري حاشد مقولة
(امريكا تحت حذائي) وفي الجانب الآخر فإن العداء الأمريكي للسودان بلغ أقصى مداه وكانت امريكا تدعم المعارضة السودانية بسخاء وكان منهم من يمدونها بتقارير يصفون فيها وطنهم العاقين له بأنه بلد التطرف والمتطرفين والارهاب والارهابيين .رغم ان السودان معروف بأنه بلد التسامح الديني والاعتدال والوسطية وفي عهد الرئيس كلينتون صدر قرار فيه عقوبات اقتصادية للسودان، وتجميد أرصدته، ومنع مصارفهم من التعامل معه .وفي دورة كلينتون الرئاسية الثانية تم ضرب وتدمير مصنع الشفاء في عام 1998م- في عهد الحكومة الانتقالية التي شكلت بعد التغيير الذي حدث في شهر ابريل عام 2019م وجدت
امريكا ومن يدورون في فلكها ضالتهم في ضعفها وهوانها واذعانها لهم لدرجة فرض وصايتهم والتدخل حتي في مراجعة وتغيير المناهج الدراسية والقوانين وكيفية تسيير الاقتصاد ووضع الميزانية ومع وضع دستور للسودان في الخارج ،ليفرض على السودانيين في الداخل. واخذ عدد من الدبلوماسيين والسفراء الأجانب يسرحون ويمرحون ويتصرفون كما يريدون وبلغ الهوان درجة شراء كمية كبيرة من الدولارات بمبلغ ضخم من السوق الاسود وتقديمها لامريكا في قضية اصدرت المحكمة حكمها بتبرئة السودان فيها. وفي ظل هذا الضعف دبروا ومولوا وخططوا لانقلابهم ومخططهم الآثم وأشعلوا نار حرب اجرامية انتقامية هي اسوأ وأردأ وأقذر حرب لم يشهد السودان والعالم لها مثيلاً
وبمشيئة الله سبحانه وتعالى أصبحت الآن في نهاياتها وانتصر الجيش الباسل وروافده بمساندة الشعب الصابر الذي تحمل ما لا تتحمله راسيات الجبال بعد ثلاثة أعوام من الصمود. وأمريكا تكابر الآن ولكنها ستعترف بعد حين بفشل المخطط الاجرامي الآثم وهي تضع اعتباراً للأقوياء وتضطهد الضعفاء. وقطعاً إنها ستغير طريقة تعاملها مع السودان. وأن الرئيس عبدالفتاح البرهان والدولة بكل اجهزتها المختصة سيعملون قطعاً لتجنب الأخطاء السابقة ،ووضع سياسة خارجية، وعلاقات دولية تراعي مصالح البلاد، وليس فيها ضعف وانكسار وليس فيها تهور واندفاع.




