مقالات

رئيس مجلس السيادة يكتب افتتاحية العدد الأخير لمجلّة «Almanac Diplomatique» التركية

 

يواجه السودان اليوم ليس فقط صراعًا داخليًا مسلحًا، بل اختبارًا أوسع يمس جوهر سيادة الدولة، وتماسك المجتمع، ومستقبل النظام الإقليمي المحيط به. ولا يمكن قراءة الأزمة الراهنة باعتبارها مجرد مواجهة بين تشكيلين مسلحين؛ فمع تآكل سلطة الدولة، وتفكك البنية الأمنية، وتعطّل الخدمات العامة، وتعمّق الجدل حول أدوار   وتدخلات أطراف خارجية  تحوّلت الأزمة إلى ما يمكن وصفه بـ«لحظة تأسيسية» ستترك أثرًا حاسمًا في تشكيل المستقبل السياسي للسودان.

في هذا الإطار، تتمثل أولويتي الأولى في صون وحدة الأراضي السودانية وضمان استمرارية الدولة. فإرادة الشعب السوداني يجب أن تعلو على أي منطق ميليشياوي، وعلى شبكات النفوذ المرتبطة بالمصالح الشخصية أو الارتباطات الخارجية.

وتقع على عاتق القوات المسلحة السودانية مسؤولية تاريخية ودستورية تتمثل في منع فرض وقائع قسرية قد تدفع البلاد نحو التفكك، وفي استعادة الحد الأدنى من البيئة الأمنية التي تتيح انتقالًا مدنيًا ممكنًا. ولا يعني ذلك جعل الحرب غاية في حد ذاتها، بل الإقرار بأن أي تسوية سياسية مستدامة لا يمكن بناؤها في ظل استمرار واقع «التمرد المسلح» الذي أفضى إلى اندلاع الحرب من الأساس.

لماذا نقول: الأمن أولًا؟

لا شك أن الدعوات إلى وقف إطلاق النار وإطلاق مسارات التفاوض في السودان تُعد ضرورية. غير أن طاولة التفاوض، في سياق اختطاف السلاح للعمل السياسي على الأرض، لا تكتسب معناها إلا إذا استندت إلى مبادئ واضحة. فمنذ الأيام الأولى للحرب، أبدينا انفتاحًا حسن النية على المبادرات التفاوضية، حرصًا على منع تفكك السودان ووقف نزيف الدم، ولهذا شاركنا في محادثات جدة. إلا أن نجاح أي جهد تفاوضي يظل مشروطًا بشرط أساسي: تخلي التشكيلات المسلحة عن أي ادعاء بسيادة موازية لسلطة الدولة الشرعية.

ولا تزال جوهر شروطنا ثابتًا حتى اليوم، وتشمل: الانسحاب من المناطق المحتلة، وإخراج الأسلحة الثقيلة من معادلة الصراع، وإنهاء أي مركز قوى منفصل يعمل خارج سلسلة القيادة الرسمية للدولة. فمن دون هذه الشروط، لا يكون وقف إطلاق النار أكثر من هدنة مؤقتة تجمّد الصراع ولا تعالجه. وهدفنا ليس «إدارة» الأزمة، بل إعادة السودان إلى مسار دولة المؤسسات.

قضية التدخلات الخارجية والحسابات الإقليمية

لا يمكن إنكار أثر شبكات الدعم الخارجي في إطالة أمد الأزمة السودانية ورفع كلفتها. وموقف السودان واضح في هذا الشأن: السودان للسودانيين. ولا ينبغي أن تُصاغ أي تسوية على أساس معادلات مفروضة من الخارج، بل عبر حوار سوداني–سوداني ينطلق من الأولويات الوطنية.

وفي هذا السياق، تعززت تقييماتنا بشأن تورط بعض الأطراف الخارجية في دعم قوات الدعم السريع على مستويات مختلفة، استنادًا إلى الوقائع الميدانية والمعطيات المتوفرة لدينا. فاستمرار هذا الدعم الخارجي يغذي اقتصاد الحرب، ويعقّد فرص إنهائها، ويؤخر ترميم النسيج الاجتماعي. ولا يجوز تحويل الأمن القومي السوداني إلى ساحة أو «خط عبور» لتصفية التنافسات الإقليمية.

الكارثة الإنسانية: الوجه الأثقل للأزمة

يدفع المدنيون الثمن الأكبر لهذه الحرب. فقد شُرّد الملايين، وتعرّضت المدن للاستنزاف، وانهارت البنى التحتية، وتوقفت الخدمات الأساسية. وتشير البيانات الدولية إلى أن أعداد النازحين قسرًا منذ اندلاع النزاع بلغت عشرات الملايين. ويكشف هذا المشهد أن السودان يواجه، إلى جانب الأزمة الأمنية، أزمة تنموية وأزمة في قدرات الدولة.

ومن هنا، فإن «الدبلوماسية الإنسانية» ليست شعارًا، بل ضرورة ملحّة، وتشمل ضمان وصول المساعدات الإنسانية، وإعادة تشغيل الخدمات الصحية، وحماية النازحين، واستعادة وظائف التعليم والأمن الغذائي. كما تلعب المبادرات المحلية وشبكات المتطوعين التي تحافظ على صمود المجتمع دورًا حيويًا في هذا المسار، ويُعد الحفاظ على هذه القدرة شرطًا أساسيًا لعملية إعادة الإعمار.

الشراكة الاستراتيجية مع تركيا: أفق ما بعد الحرب

كما أكدتُ خلال لقاءاتي في أنقرة، فإن العلاقات بين السودان وتركيا علاقات تاريخية متجذرة في روح الأخوّة. إن حرص تركيا على إبقاء القضية السودانية حاضرة على الأجندة الدولية، وإظهارها التضامن مع الشعب السوداني، موقف تتضح قيمته على نحو أكبر في أوقات الشدّة.

فالمرحلة المقبلة لا تقتصر على وقف القتال فحسب، بل تمثل أيضًا مرحلة إعادة إعمار السودان. وستشمل هذه العملية مجالات واسعة، من البنية التحتية والطاقة، إلى الزراعة والموانئ، ومن الصحة والتعدين إلى التعليم. وتوفر القدرات المؤسسية التركية، وديناميكية القطاع الخاص، والخبرة الميدانية، أساسًا عمليًا لشراكة فاعلة في تعافي السودان. ومن هذا المنطلق، ندرس اتخاذ خطوات تيسيرية، من بينها تحسين نظام التأشيرات لرجال الأعمال، بما يفتح آفاق الاستثمار والتبادل التجاري.

النظام الإقليمي ومبدأ السيادة: نموذج صوماليلاند

نلاحظ، أخيرًا، أن الخطوات التي تمس مبدأ السيادة ووحدة الأراضي في منطقتنا تُنتج حالة من عدم الاستقرار على المدى البعيد. فالنقاشات التي تبدأ في موضع ما تحت عنوان «الاعتراف» قد تتحول إلى سوابق تشجع النزعات الانفصالية في جغرافيات أخرى، بما يهدد التوازن الإقليمي ككل.

إن هدف السودان واضح: إعادة ترسيخ سلطة الدولة الشرعية، وضمان حماية المدنيين، والانطلاق نحو عملية سياسية جامعة على أساس أمني راسخ. ويظل التعاون مع الدول الصديقة عنصرًا مهمًا في هذا المسار، غير أن بوصلة الحل ستبقى دائمًا سيادة السودان ومستقبل شعبه المشترك.

وفي هذا السياق، آمل أن يشكل هذا النص تقديمًا للعدد الخاص المعني بالعلاقات السودانية–التركية المزمع نشره. وأثق بأن الطرح الوارد هنا، المرتكز على سيادة السودان، ووحدة أراضيه، وتماسكه الاجتماعي، وإعادة إعماره، سيوفر أرضية فكرية مشتركة للباحثين وصناع السياسات والممارسين، ويسهم في نقاش بنّاء وحلول مستدامة. وإنني على يقين بأن العلاقات السودانية–التركية، القائمة على الروابط التاريخية  والاحترام المتبادل والتضامن، ستشهد مزيدًا من التعمق في المرحلة المقبلة، وتتطور نحو مستوى أكثر تقدمًا من التعاون الاستراتيجي. وأرجو أن يسهم هذا العدد، ولو بقدر متواضع، في إضاءة تعقيدات الأزمات الراهنة، وفي بناء مستقبل أكثر استقرارًا وعدلًا وشراكةً للسودان والمنطقة الأوسع.

(نُشر المقال أصلًا في مجلة Almanac Diplomatique التركية، ويمكن الاطلاع على النسخة الأصلية عبر الرابط التالي:
https://almanacdiplomatique.com/journal/article/view/21)

إشتياق الكناني

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى