مقالات

د. الشاذلي عبداللطيف يكتب : وهم اللا بديل: قراءة في أخطر أمراض السلطة

 

في مناخ  التفاؤل الذي تبشر به حكومة الأمل ، تبرز ضرورة مواجهة أحد أخطر الأوهام التي تصيب السلطة حين تطول إقامتها في النفوس قبل المواقع: وهم اللا بديل. ذلك الوهم الذي يجعل بعضهم يعتقد أن وجوده شرط لبقاء الفكرة، وأن غيابه يعني الفراغ، وأن استمرارية الدولة أو المؤسسة مرهونة باسمه لا بمنهجها ولا بقيمها.

وهم اللا بديل ليس ثقة بالنفس، بل قطيعة مع سنن الحياة. فالثقة تنبع من القدرة على الإنجاز والعمل ضمن منظومة، أما الوهم فيقوم على الإقصاء والاحتكار. حين يضع الإنسان نفسه خارج قانون التداول، ويقنع ذاته أن دوره أبدي، يبدأ الخلل الحقيقي. الحياة لم تبن على خلود الأفراد، بل على تعاقب الأدوار، وتجدد المسؤوليات، وتراكم الخبرات عبر الزمن.

من يعتقد أنه لا بديل له لا يعمل من أجل الرسالة ، بل من أجل تثبيت الذات. يتحول المنصب عنده من تكليف مؤقت إلى ملك خاص، ومن أداة خدمة إلى حصانة نفسية. وحين تتعثر المؤسسة أو تضعف الفكرة، لا يرى الخلل في قراراته أو أسلوبه، بل في الآخرين، لأنه أقنع نفسه أنه مركز النجاح الوحيد. هنا يصبح النقد تهديدا، والمراجعة خيانة، والاختلاف مؤامرة.

التاريخ لا يجامل أحدا. لم يعرف أمة قامت على شخص واحد، ولا دولة استمرت بعقل واحد. الدول التي اختزلت في فرد انهارت عند غيابه، والمؤسسات التي ربطت مصيرها باسم واحد تعطلت عند أول اختبار. وهم اللا بديل لا يصنع الاستقرار، بل يؤجل السقوط. وكل سقوط مؤجل يكون عادة أكثر كلفة وأوسع أثرا.

في السياسة والإدارة والفكر، يتحول هذا الوهم إلى مرض بنيوي إذا غابت الحوكمة وضعفت المساءلة. حين يتوهم المسؤول أنه لا يعوض، تتجمد القرارات. وحين يعتقد القائد أن الإنجاز توقيعه وحده، تموت روح الفريق. وحين يظن المفكر أن الحقيقة توقفت عنده، يدخل المجتمع في جمود قاتل. وجود البدائل ليس خطرا، بل علامة صحة، ودليل نضج، وضمان استمرارية.

وهم اللا بديل يرفض السؤال، بينما النهضة تبدأ بالسؤال. يعادي النقد، بينما الإصلاح يولد من المراجعة. يحتقر المشاركة، بينما البناء فعل جماعي. ولهذا فإن أخطر ما يصيب الأمم ليس قلة الموارد ولا شح الكفاءات، بل تضخم الأنا لدى من يتصدرون المشهد ويظنون أنهم أكبر من الفكرة وأسبق من الوطن.

لا تعتقد أنك لا بديل لك. هذه ليست دعوة إلى تقليل القيمة، بل إلى وضعها في حجمها الصحيح. حين تدرك أنك قابل للاستبدال، تعمل بإخلاص لا بخوف، وتنجز بضمير لا بتسلط، وتبني مؤسسات لا أشخاصا. وحين تغادر موقعك، تخرج مطمئنا أن الفكرة ستبقى، وأن الدولة لا تتوقف عند اسم، بل تنهض بوعي جماعي يؤمن أن التداول سنة، وأن الأمل لا يحرسه فرد، بل تحميه قيم راسخة وإرادة مشتركة.

إشتياق الكناني

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى