د. الشاذلي عبداللطيف يكتب: لحظة الدولة بعد العاصفة: المصالحة الوطنية بوصفها وعيًا للدولة لا تسوية للمرحلة

د. الشاذلي عبداللطيف يكتب: لحظة الدولة بعد العاصفة: المصالحة الوطنية بوصفها وعيًا للدولة لا تسوية للمرحلة
في كلمته بمناسبة عيد الاستقلال قدم عبد الفتاح البرهان مقدمة وطنية بالغة الدلالة لمرحلة ما بعد حرب الكرامة حين ربط بين معنى الاستقلال بوصفه سيادة القرار ومعنى الدولة بوصفها مسؤولية جامعة لم تكن الكلمة احتفالا بالماضي بقدر ما كانت استدعاء واعيا لمعنى الاستقلال في زمن تتقدم فيه الاسئلة الكبرى كيف تدار الدولة بعد العاصفة وكيف يبنى السلام دون ان يعاد انتاج اسباب الانقسام
بعد حرب الكرامة لا يقف السودان عند سؤال وقف النار بل امام سؤال اعمق كيف نعيد بناء الدولة دون ان نعيد انتاج منطق الطوارئ فالحروب تنهي جولات من الصراع لكنها لا تنهي معضلة الحكم ولا ترمم ما تصدع في الوعي الجمعي من هنا تصبح المصالحة الوطنية لحظة دولة لا مجاملة سياسة ومسار عقل لا صفقة مرحلة
لحظة الدولة بعد العاصفة هي انتقال واع من منطق التعبئة الى منطق التعاقد الاجتماعي ومن ادارة اللحظة الى بناء المستقبل وهي لحظة يختبر فيها الضمير الوطني هل ندير السلام بعقل الحرب ام نؤسس لمعنى جديد للسلطة يقوم على القانون والمؤسسات الدولة لا تدار بالانفعال بل بالحكمة وطول النفس ولا تحمى بالغلبة بل بالتوازن
المصالحة الوطنية في جوهرها ليست نسيانا لان النسيان ظلم جديد وليست انتقاما لان الانتقام استنزاف للمستقبل وليست تسوية سريعة ترضي اللحظة هي فعل شجاعة عقلانية يضع الحقيقة في موضعها ويعيد الاعتبار للضحايا ويؤسس لعدالة تغلق دوائر العنف دون ان تفتح ابواب كراهية جديدة فلا سلام بلا عدالة ولا عدالة بلا مؤسسات ولا مؤسسات بلا ارادة سياسية تقدم الدولة على الافراد والجماعات
وتتعاظم الحاجة الى المصالحة حين نقرأ تجربة الحكم في السودان قراءة هادئة لا اتهامية اربعة عشر عاما من الحكم المدني مقابل ستة وخمسين عاما من الحكم العسكري ليست مادة للمزايدة بل درسا في بنية الازمة فقد اديرت الدولة طويلا بعقل الطوارئ حيث تقدم السيطرة على التوافق والامن على السياسة واللحظة على المستقبل هذا النمط قد يفرض النظام مؤقتا لكنه يعجز عن بناء عقد اجتماعي مستدام وفي المقابل فان قصر فترات الحكم المدني لا يعني فشل الفكرة المدنية بل يكشف فشل البيئة التي ولدت فيها تلك التجارب المحاصرة بالازمات الموروثة والانقطاعات القسرية
من هذا الفهم تصبح المصالحة مدخلا لاعادة تعريف الدولة نفسها دولة تدار بالقانون لا بالامزجة وبالمؤسسات لا بالولاءات وبالتوازن لا بالهيمنة دولة تعيد صياغة العلاقة بين المدني والعسكري على اساس الوظيفة لا السلطة جيش وطني محترف يحمي الدستور ولا يحكم باسمه وسلطة مدنية قوية بالكفاءة والمساءلة لا بالمحاصصة والشعارات هذا التوازن ليس تنازلا من احد بل ضمانة للاستقرار
ولا تكون المصالحة حكيمة اذا اختزلت في اتفاقات نخب مغلقة فالسلام الذي لا يحمل المجتمع ثقله ينهار عند اول اختبار لذلك يجب ان يكون مسار المصالحة مسارا مجتمعيا واسعا تسهم فيه القيادات الاهلية والمجتمعات المحلية والنساء والشباب والنقابات واصحاب الراي هؤلاء هم حراس السلم الحقيقيون لانهم يعيشون اثره يوميا
وفي قلب هذا المسار تقف العدالة الانتقالية بوصفها هندسة للمستقبل لا محاكمة للماضي فقط جبر الضرر حق اصيل والمساءلة ضرورة اخلاقية والعفو قرار سيادي حكيم لا يمارس الا على قاعدة الحقيقة وتحمل المسؤولية فالعفو بلا حقيقة انكار والمحاسبة بلا حكمة تهديد للاستقرار وبينهما تبنى الثقة
دبلوماسيا تعد المصالحة رسالة الى الداخل والخارج معا ان السودان اختار السلام خيارا استراتيجيا لا مناورة مؤقتة وان ادارة هذا المسار شان سيادي بارادة وطنية مع انفتاح مسؤول على الشراكات الداعمة لاعادة الاعمار وبناء المؤسسات خطاب هادئ يطمئن الداخل ويخاطب الخارج بثقة ويحفظ السيادة وهو يفتح افاق التعاون
في معناها العميق المصالحة الوطنية بعد حرب الكرامة هي مصالحة مع فكرة الدولة نفسها ومع درس الاستقلال الذي جددته كلمة العيد ان الوطن لا يقوم الا بجميع ابنائه وان الدولة لا تصان الا بالحكمة فاذا احسن السودانيون حمل هذه اللحظة تحول الالم الى وعي والاختلاف الى قوة وبدات مسيرة الدولة بثبات بعد العاصفة




