د. الشاذلي عبداللطيف يكتب: .. ترانيم الظلم..حين تصمت البنادق ويبدأ الصراع مع النفس

د. الشاذلي عبداللطيف يكتب: .. ترانيم الظلم..حين تصمت البنادق ويبدأ الصراع مع النفس
بعد حرب الكرامة، يكتشف الانسان ان الضجيج الحقيقي لم يكن في الخارج وحده، بل في الداخل ايضا. فحين تصمت البنادق، تبدأ الاسئلة الهادئة، وتظهر الحاجة الى طمأنينة لا يمنحها احد من خارجك. عندها ندرك ان اخطر ما يفسد سعادة الانسان في الحياة ان يكون ضعيفا من الداخل، لان ضعف الداخل يحول ابسط الاشياء الى ثقل، واخف الكلمات الى جرح.
ضعف الداخل لا يظهر فجأة، بل يتسلل بهدوء. يظهر حين نحزن بسرعة، لا لعظم الحدث بل لتعب القلب. ويظهر حين تتغير نفسيتنا من كلمة، فنسمح للاخرين ان يتحكموا في مزاجنا. ويظهر حين نتعلق باي انسان، لا عن وعي ومحبة، بل عن فراغ وخوف. ويظهر حين نبالغ في المواقف، فنرهق انفسنا باحمال لا تستحق. اما كثرة الشكوى، فهي استنزاف صامت للروح، تطيل الوجع ولا تشفيه.
وقد قال بعض السلف كلمات لو سكنت القلب لارتاح: لا تتفكر في الفقر فيكثر همك وغمك ويزيد في حرصك، ولا تتفكر في ظلم من ظلمك فيغلظ قلبك ويكثر حقدك ويدوم غيظك، ولا تتفكر في طول البقاء في الدنيا فتحب الجمع وتضيع العمر وتسوف في العمل. هذه الوصايا لا تدعونا الى الغفلة، بل الى السلام، الى ان نضع افكارنا حيث تثمر، لا حيث تجرح.
وحرب الكرامة علمتنا ان القوة ليست صخبا ولا ادعاء، بل سكينة داخلية. من ثبت في الميدان ثبت لانه عرف كيف يهدئ قلبه قبل ان يواجه الخطر. وهكذا هي الحياة، من يعرف كيف يضبط نفسه، يمر من العواصف بسلام، ولو اثخنته الجراح.
وقال ابن القيم رحمه الله كلاما يجمع بين حكمة القلب وصحة الجسد: اربعة اشياء تهدم البدن، الهم، والحزن، والجوع، والسهر. واربعة تيبس الوجه وتذهب ماءه وبهجته، الكذب، والوقاحة، وكثرة السؤال عن غير علم، وكثرة الفجور. وكأنما كان ينبهنا الى ان فساد الداخل لا يرهق النفس فقط، بل ينعكس على الجسد والملامح والحضور.
والقوة الداخلية لا تعني القسوة ولا جمود المشاعر، بل تعني الوعي. ان تشعر دون ان تنفلت، وان تحزن دون ان تنهار، وان تتالم دون ان تضيع، وان تحب دون ان تفقد ذاتك. وهي ايضا قدرة على الاعتزال حين يكون الاعتزال نجاة. قال الله تعالى: فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له اسحاق ويعقوب. فاعتزال المعصية، واماكنها، واهلها لوجه الله، يفتح للعبد بابا من الطمأنينة، ويبدل الضيق سعة، والقلق سكونا.
وجوهر المرء، كما قال الحكماء، في ثلاث: كتمان الفقر حتى يظن الناس من عفتك انك غني، وكتمان الغضب حتى يظن الناس انك راض، وكتمان الشدة حتى يظن الناس انك متنعم. فليس كل ما يؤلم يقال، ولا كل ما يثقل القلب يحتاج جمهورا، وبعض الصمت عبادة، وبعض الصبر كرامة.
وتذكر بهدوء ويقين: انت المسؤول الاول والاخير عن نجاحك وسعادتك. لا تلق باللوم على الاخرين، لان اللوم يريح لحظة لكنه يطيل الطريق. من تحمل مسؤوليته بوعي، عاش اخف، ومضى اوضح، وكان اقرب الى السلام.
بعد الحرب، نعيد بناء البيوت والمدن، نعم، لكن الاهم ان نعيد بناء القلوب. فحين ينتصر الانسان في صراعه مع نفسه، يصبح السلام ممكنا، لا كشعار، بل كحياة.




