مقالات

د. الشاذلي عبداللطيف يكتب : .. ترانيم الظلم ..لإدارة الأهلية بعد حرب الكرامة: من سلطة العُرف إلى حكمة الإدارة

د. الشاذلي عبداللطيف يكتب : .. ترانيم الظلم ..لإدارة الأهلية بعد حرب الكرامة: من سلطة العُرف إلى حكمة الإدارة

 

بعد حرب الكرامة، لم يعد سؤال الإدارة الأهلية سؤالًا اجتماعيًا محضًا، بل أصبح سؤالًا فلسفيًا سياسيًا يمس جوهر الحكم ومعنى الدولة وحدود السلطة. فالحرب، حين تقع، لا تكشف فقط عن موازين القوة، بل تفضح البنية الأخلاقية التي تستند إليها المجتمعات في إدارة شؤونها. وحين تتراجع الدولة أو تضعف مؤسساتها، لا ينهار المجتمع تلقائيًا، بل يعود إلى طبقاته الأولى، حيث العرف، والرمز، والقبول، والحكمة المتراكمة. هناك، تقف الإدارة الأهلية لا بوصفها بديلاً للدولة، بل باعتبارها ذاكرة المجتمع الحية.

في معناها العميق، الإدارة الأهلية ليست جهازًا تنفيذيًا ولا سلطة قسرية، بل هي إدارة للمعنى الجمعي، وتنظيم للعيش المشترك، وضبط أخلاقي للسلوك العام. إنها تمارس الحكم دون أن تسميه حكمًا، وتنتج النظام دون أن تفرضه بالقوة. ولهذا كانت تاريخيًا أكثر رسوخًا في الوجدان من كثير من المؤسسات الحديثة التي قامت على النص دون الروح.
بعد حرب الكرامة، تتضاعف أهمية الإدارة الأهلية لأنها تقف عند تقاطع دقيق بين الفوضى والسلطة، بين الغياب الكامل للدولة، وبين خطر تغوّلها حين تعود بلا حكمة. فالإدارة الأهلية، إن أُحسن توظيفها، تشكل منطقة توازن، تمنع الانفلات، وتكبح الاستبداد، وتُبقي المجتمع في حالة تماسك أخلاقي حتى تستعيد الدولة عافيتها.

غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في ضعف الإدارة الأهلية، بل في جمودها. فالعرف الذي لا يتجدد يتحول إلى قيد، والزعامة التي لا تُساءل تنقلب إلى عبء، والشرعية التي لا تُراجع تذبل وتفقد معناها. من هنا، فإن التحول المطلوب بعد الحرب ليس إحياء الإدارة الأهلية بصورتها القديمة، بل إعادة تأسيسها على فلسفة جديدة، تنتقل بها من سلطة العرف إلى حكمة الإدارة.
حكمة الإدارة تعني أن تتحول الزعامة من موقع الامتلاك إلى موقع الخدمة، ومن فرض القرار إلى إدارة التوافق، ومن تمثيل القبيلة إلى رعاية الإنسان. وتعني أن تُدار الخلافات لا بمنطق الغلبة، بل بمنطق الاحتواء، وأن تُحل النزاعات لا باعتبارها تهديدًا، بل بوصفها فرصة لإعادة ترميم العقد الاجتماعي المحلي.

في سياق ما بعد الحرب، تبرز الإدارة الأهلية كفاعل مركزي في صناعة السلم المجتمعي. فهي القادرة على تحويل ذاكرة العنف إلى درس، ومنع انتقال الكراهية بين الأجيال، وإعادة تعريف العدالة باعتبارها إنصافًا وترميمًا، لا انتقامًا. هنا، تتجاوز الإدارة الأهلية دور الوسيط لتصبح حاضنة أخلاقية لعدالة انتقالية مجتمعية، تسبق النصوص القانونية وتُمهّد لها.
أما علاقتها بالدولة، فيجب أن تُبنى على فلسفة التكامل لا التنازع. فالدولة التي تحاول إقصاء الإدارة الأهلية تفتح فراغًا خطيرًا، والإدارة الأهلية التي تنازع الدولة سلطتها تسهم في تفكيكها. بين الطرفين شراكة عقلانية، تقوم على وضوح الأدوار: الدولة تضع الإطار القانوني، والإدارة الأهلية تضخ المعنى الاجتماعي، الدولة تحكم بالقانون، والإدارة الأهلية تحرس السلم الأهلي.

وفي بعد التنمية، لا تُختزل الإدارة الأهلية في كونها ناقل مطالب، بل شريك في تحديد الأولويات. فهي الأقدر على الإجابة عن سؤال جوهري: ماذا يحتاج الناس فعلًا؟ وما الذي يجب أن يُرمم أولًا بعد الحرب، الحجر أم الإنسان؟ ومن دون هذه البوصلة، تتحول التنمية إلى مشاريع صماء، وتتحول الإعمار إلى إعادة إنتاج للاختلال القديم.
إن التحول الفلسفي المطلوب من الإدارة الأهلية يقتضي أيضًا إعادة النظر في بنيتها الداخلية، وفتح المجال أمام المرأة والشباب، لا بوصفهم إضافة تجميلية، بل باعتبارهم شرطًا للاستمرار. فالشرعية في زمن ما بعد الحرب لم تعد تُستمد من النسب وحده، بل من الكفاءة، ومن القدرة على الإصغاء، ومن النزاهة الأخلاقية.

هكذا، تقف الإدارة الأهلية بعد حرب الكرامة أمام امتحان التاريخ: إما أن ترتقي إلى مستوى الحكمة، فتكون جسرًا بين المجتمع والدولة، ورافعة للاستقرار، أو أن تنكفئ على ذاتها، فتتحول، دون أن تشعر، إلى جزء من أزمة لا من حل. وفي هذا الاختيار، يُعاد تعريف معنى الإدارة، لا كسلطة تُمارَس، بل كمسؤولية تُحمل، وحكمة تُنتج، وضمير جماعي يُنقذ ما تبقى من الوطن.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى