الأخبارالسودانتقارير

حكومة إدريس : هل تاني من “عودة” وهل باقي لى “أمل”؟

قراءة | رمضان محجوب

​شهد الحادي والثلاثين من مايو عام 2025م منعرجاً حاسماً في مسيرة الحكم بالسودان، حيث وقف البروفيسور كامل إدريس الطيب، ابن مدرسة الإدارة الدولية العريقة، مؤدياً اليمين الدستورية رئيساً جديداً لمجلس الوزراء أمام رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان. لم تكن اللحظة مجرد طقس رسمي بروتوكولي، بل جاءت وسط آمال شعبية عريضة وتركة ثقيلة من الأزمات المعيشية والإدارية التي خلفتها سنوات الصراع

والاضطراب. وبنبرة واثقة، أعلن إدريس من قلب العاصمة القومية الخرطوم ميلاد “حكومة الأمل” كحكومة كفاءات وطنية مستقلة متجردة من الولاءات الحزبية والترضيات السياسية الضيقة، واضعاً نصب عينيه عهداً قاطعاً: بسط الأمن، وتأمين معاش الناس، وضمان الحياة الكريمة لكل مواطن. واليوم، وبعد انقضاء عام كامل من المكابدة والعمل الدؤوب، يقف السودانيون أمام كشف حساب حقيقي يزن الوعود بمدى صدقها على أرض الواقع، ليروا كم تحقق من هذا الأمل، وكم ابتلعته أمواج الواقع المتلاطمة.

​■ كفة الإنجازات و بحر الأزمات
​عندما وقف البروفيسور كامل إدريس قبل عام من الآن معلناً خطته للحكم، لم يكن يبيع الوهم للناس، بل رسم خارطة طريق واضحة المعالم تقوم على انتشال السودان من وهدته عبر عقلية إدارية مستقلة. كان التعهد الأساسي هو نقل البلاد من خانة الفوضى السياسية إلى الانضباط التنفيذي الصارم، غير أن هذا العام كشف عن صدام عنيف بين الرؤية الفكرية الأكاديمية وواقع الخدمة المدنية المعقد. كشف الحساب اليوم لا يقيس النوايا، بل يزن الخطوة بخطوتها؛ ففي كل ملف ومحور من محاور الدولة، نجد صراعاً محتدماً بين الحبر الذي كُتبت به وعود “حكومة الأمل” وبين العرق أو العثرات التي شهدتها شوارع ومدن السودان طوال اثني عشر شهراً من المكابدة.
​■ الهيكلة… تجفيف منابع الفساد

​الوعد السابق: تعهد رئيس الوزراء في خطابه الأول بإنهاء الترهل الإداري وبتر تداخل الاختصاصات في مؤسسات الدولة، وإلغاء كافة الهيئات الطفيلية والمجالس الزائدة التي تلتهم المال العام دون عائد حقيقي على المواطن.
​ما جرى على الأرض: نجح إدريس فعلياً في دمج وإلغاء 14 مجلساً ومفوضية حكومية زائفة، ووجه عوائدها المالية فوراً لدعم المستشفيات والمدارس، كما أسس “الهيئة الوطنية للنزاهة والشفافية” التي وضعت يدها على دفاتر 65 شركة ومؤسسة عامة لمراجعتها وسد منافذ الفساد. غير أن الإخفاق في هذا الملف تمثل في العجز عن إتمام تطهير الهياكل الوسيطة والوظائف في الولايات بنسبة تجاوزت 40%، نتيجة المقاومة الشرسة والبيروقراطية التي أبدتها مراكز النفوذ القديمة لحماية مصالحها.

​■ دفاتر الاقتصاد في الميزان..
​الوعد السابق: قطع البروفيسور عهداً قاطعاً بمحاربة الغلاء وتخفيف أعباء المعيشة عن كاهل الأسر السودانية، وتوفير السلع الأساسية بأسعار في متناول الجميع، وضبط الأسواق تحقيقاً لشعار “العيش الرغيد والرفاه”.
​ما جرى على الأرض: فشلت المعالجات الاقتصادية للحكومة فشلاً ذريعاً في كبح جماح الأسواق، حيث سجلت الأسعار قفزات متتالية أثقلت كاهل الأسر، وتاهت الوعود الحكومية في دهاليز المضاربات، لتصبح قفة الملاح فارغة من وعود الرفاه. وفي مقابل هذا العسر المعيشي، حققت الحكومة نجاحاً جزئياً في استعادة 65% من خدمات المياه والكهرباء بالمناطق المتأثرة، وتدشين المرحلة الأولى من مشروع تشغيل الشباب بتمويل شمل 25 ألف خريج في مجالات الإنتاج الزراعي والمهني، وإن ظل هذا الدعم قاصراً عن تلبية آمال قطاعات واسعة بسبب شح التمويل البنكي

​■ ماذا تحقق من وعود إدريس؟
​الوعد السابق: وعد رئيس الوزراء بأن تباشر حكومته أعمالها الفعلية من قلب العاصمة القومية الخرطوم، وأن تدشن مبادرة وطنية ودولية شاملة لإنهاء النزاع وبسط الأمن والاستقرار وإطلاق برامج لدعم الشباب.
​ما جرى على الأرض: أوفت الحكومة بأهم رمزية سياسية لها من خلال العودة الفعلية لمجلس الوزراء لمباشرة مهامه التنفيذية من داخل الخرطوم، وهو ما أعاد الطمأنينة لنفوس المواطنين وثبّت أقدام الدولة. وعلى الصعيد الخارجي، نجحت الدبلوماسية في إيداع مسودة مبادرة السلام الشاملة أمام مجلس الأمن الدولي برؤية واضحة لوقف إطلاق النار ومراقبة الحدود؛ لكن على الصعيد الميداني، تعثر تحويل هذه المبادرة إلى خطوات ملموسة بسبب التعقيدات الإقليمية، مما أبقى فكرة السلام الشامل معلقة تحت رحمة التفاهمات الهشة دون غطاء دولي حاسم.

​■ قفة الملاح” هي الحكم والفيصل الحقيقي

​الوعد السابق: وعد البروفيسور إدريس الشارع السوداني بإرساء تنمية متوازنة، وتقديم لغة إدارية واضحة تلامس هموم المواطن البسيط، مع وضع الرجل المناسب في المكان المناسب وبسط هيبة القانون الجنائي في الأحياء والأسواق.
​ما جرى على الأرض: حصد الأداء القيادي لرئيس الوزراء انتقادات واسعة بسبب النخبوية والحديث بلغة الأوراق والخطابات الأكاديمية البعيدة عن وجع الشارع الذي يطالب بحلول فورية لأزمات الخبز والوقود والدواء، فضلاً عن ضعف الجهاز الإعلامي لمجلس الوزراء الذي عجز عن تبيان أسباب التعثر. وبالمقابل، يحسب لإدريس نظافة اليد والاستقلالية المطلقة؛ إذ أثبت طوال العام صموده أمام الابتزاز السياسي والترضيات، ورفض تمرير أي تعيينات تقوم على الولاء بدلاً من الكفاءة، محققاً انتصاراً أخلاقياً للمؤسسية وإعلاء سلطة القانون.

​■ .. أين تتجه بوصلة إدريس؟

​الوعد السابق: أعلن رئيس الوزراء في الحادي والثلاثين من مايو 2025م أن “حكومة الأمل” جاءت لتبقى وتنتصر، وأنها ستعبر بالبلاد برؤية تكنوقراطية مستقلة لا تخضع للمحاصصات الحزبية الضيقة حتى تسليم الأمانة.
​ما جرى على الأرض: بعد عام من العمل العسير، تقف الحكومة عند مفترق طرق حرج تتنازعه ثلاثة خيارات رئيسية: إما النجاح والتمكين واستكمال خطة الإعمار في حال أحدثت مبادرته الدولية للسلام خرقاً يفتح الباب أمام الدعم المالي الخارجي، أو الذهاب نحو تعديل وزاري واسع يطيح بالطاقم الاقتصادي والإعلامي لامتصاص غضب الشارع وتوفير الخدمات الصيفية، أو الصدام والانسحاب بتقديم استقالته بشرف إذا تزايدت الضغوط السياسية لفرض ترضيات حزبية جديدة، ليظل مستقبله ومستقبل حكومته رهيناً بقدرته على الخروج من برود المكاتب إلى هجير الشارع التنفيذي الشجاع.

عموما.. ​يظل العام الأول لحكومة كامل إدريس مزيجاً معقداً بين انضباط الإدارة وجفاف الواقع المعيشي؛ تبتسم الأوراق للتخطيط المؤسسي وتكشر الأسواق عن أنيابها في وجه المواطن البسيط، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من معالجات حقيقية تلمس قفة الملاح بكافة بقاع السودان

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى