جبارة محمد أحمد : رفاعة الكبرى في التكينة… من رمزية الصمود إلى مشروع الحضور

ليس تعاليًا على أحد، ولا انتقاصًا من مقام الآخرين، ولكنها سنة الناس في الأرض: أن يعتز المرء بأصله، وأن يفاخر بهويته، وأن يرى في انتمائه معنى يرفعه ولا يُسقط سواه. ومن هذا الباب تمامًا، جاء لقاء التكينة، لا بوصفه احتشادًا اجتماعيًا عابرًا، بل باعتباره إعلانًا صريحًا بأن رفاعة الكبرى ما تزال قادرة على أن تنهض باسمها الكبير، وتلتف حول معناها الأوسع، وتستدعي من ذاكرتها ما يكفي لصناعة الغد.
ما جرى في التكينة بالأمس لم يكن حدثًا عاديًا يضاف إلى روزنامة المناسبات، بل كان مشهدًا استثنائيًا في توقيته، ودلالته، وصورته التي انفتحت على السودان كله. ذلك التدافع البهي، وذلك الحضور الذي انساب من أطراف البلاد حيث تنتشر قبيلة رفاعة، لم يكن محض مجاملة اجتماعية أو نزوة حنين، وإنما كان شهادة عملية على أن هذه القبيلة، متى ما دُعيت إلى كلمة سواء، تعرف كيف تلبي، وكيف تحضر، وكيف تمنح المشهد ما يستحقه من مهابة وامتلاء.
والأهم من ذلك أن هذا اللقاء وُلد في ظرف ليس سهلًا ولا مريحًا. فواقع البلاد الأمني، وما فرضته الحرب من اضطراب وخوف واحتياطات، كان كافيًا لأن يثني كثيرين عن مجرد التفكير في إقامة ملتقى بهذا الحجم.
لكن التكينة مضت إلى موعدها، ومضى الناس إليها، وكأنما أراد الجميع أن يقولوا إن الإرادة الاجتماعية حين تصحو، تصبح أقوى من العوائق، وأرفع من الخوف، وأقدر على صنع المعنى من كل الظروف الثقيلة.
ولذلك لم يكن هذا الملتقى الأول على مستوى قبيلة رفاعة الكبرى مجرد لقاء للتعارف والتلاقي، بل كان رسالة مكتملة الأبعاد، أولها أن وحدة الصف والكلمة ليست ترفًا اجتماعيًا، بل ضرورة وجودية في هذا الزمن المأزوم.
وثانيها أن السودان الذي يواجه المخاطر والتشظي والانكسارات، لن ينهض إلا إذا نهضت مجتمعاته الحية من داخلها، واستعادت فضيلة التماسك، وقدمت نماذج في الاجتماع على ما ينفع الناس ويقوي شوكة البلاد.
لقد أصاب السودان من الأذى ما أصابه، وامتدت إليه يد الخراب عبر اعتداءات المليشيا المارقة التي لم تكتفِ بتخريب العمران، بل حاولت أن تعبث بنسيج المجتمع نفسه، وأن تنزع من الناس طمأنينتهم ومعاني استقرارهم. ومن هنا تكتسب مثل هذه اللقاءات قيمتها الحقيقية؛ لأنها لا تقف عند حدود الرمزية، بل تتحول إلى فعل مقاومة اجتماعية في وجه التفتت، وإلى مساهمة أخلاقية في مشروع تعافي الوطن.
ثم إن اختيار التكينة لم يكن اختيار مكان، بل اختيار معنى. فالتكينة ليست بقعةً تُزار فحسب، وإنما راية صمود، وموضع وفاء، وقرية دفعت أثمانًا باهظة لأنها اختارت العزة ولم تنحنِ. ولهذا جاء اللقاء فيها وكأنه تكريم مستحق لها، واعتراف جميل بمقامها، ورد بعض الدين المعنوي لأهلها الذين سطروا بدمهم سيرة لا تُكتب بالحبر وحده.
لقد جاءت قبيلة رفاعة الكبرى إلى التكينة لأنها تعرف أن للأمكنة ذاكرة، وأن بعض القرى لا تُزار للسلام فقط، بل يُشد إليها الرحال إجلالًا. ومن ثم كان تدفق الرفاعيين بالأمس إلى أرضها تحية وفاء قبل أن يكون مشاركة، وانحناءة تقدير قبل أن يكون حضورًا. كان الناس يأتون وهم يعرفون أنهم لا يلبون دعوةً عادية، بل يقفون في مقام يليق به التوقير، ويمنحون قرية الصمود ما تستحقه من إجماع المحبة والاعتراف.
ولعل أهم ما طُرح في هذا اللقاء تلك الورقة التي جاءت بعنوان بالغ الدلالة: “إننا قادمون، وإن تأخرت مسيرتنا في العقود السابقة”. وهي عبارة تختصر كثيرًا من المعنى، لأنها لا تنكر ما كان من تأخر، لكنها في الوقت نفسه لا تستسلم له، بل تتجاوزه إلى أفق جديد. وفي هذا وحده تكمن قيمة الوعي حين يراجع نفسه بلا مكابرة، ثم يقرر أن يفتح صفحة أخرى أكثر نضجًا ووضوحًا ومسؤولية.
وهنا يبدو لقاء التكينة وكأنه ميلاد لما بعده، لا مجرد مناسبة تُذكر ثم تمضي. ميلاد لمشروع اجتماعي أرحب، ترى فيه رفاعة الكبرى نفسها أهلاً لدور أكبر من حدودها، وأوسع من إطارها، وأعمق من مجرد الاحتفاء باسم القبيلة. فهي بما تملكه من رصيد إنساني، وموروث اجتماعي، وأرض زاخرة، وكفاءات ممتدة في مجالات الحياة كافة، ليست قبيلة تبحث عن مجد ماضٍ تبكي عليه، بل مكوّن قادر على أن يسهم في صناعة الاستقرار، وأن يضع لبنة معتبرة في بناء السودان الذي نرجوه.
وليس من المبالغة القول إن رفاعة، إذا أحسنت ترتيب صفها، ورفعت منسوب الوعي بمسؤوليتها، تستطيع أن تقدم نموذجًا لما ينبغي أن تكون عليه المجتمعات السودانية: قوة اجتماعية متماسكة، ورافعة للاستقرار، وحاضنة للقيم، ومنصة لدعم الدولة لا لمنازعتها.
فالسودان اليوم لا يحتاج إلى كثرة الأصوات بقدر ما يحتاج إلى صدقها، ولا إلى الزحام بقدر ما يحتاج إلى المعنى، ولقاء التكينة كان واحدًا من تلك اللحظات التي قالت فيها الجماعة كلمتها بوضوح.
لقد قالت التكينة بالأمس شيئًا أكبر من حدود المناسبة، وقالت رفاعة معها شيئًا أبقى من وهج اللحظة: إن هذا الشتات ليس قدرًا، وإن هذا التباعد ليس نهاية الحكاية، وإن القبائل التي تعرف قيمة نفسها يمكن أن تكون جزءًا من حل السودان لا جزءًا من أزمته.
وهكذا لم يكن اللقاء ترفًا، ولا زينة مشهد، ولا استدعاءً عاطفيًا للقرابة وحدها، بل كان وقفة جادة أمام معنى الاجتماع، وأمام واجب المرحلة، وأمام سؤال الدور المنتظر. ومن هنا تأتي قيمته، ومن هنا أيضًا تبدأ مسؤوليته.
فالتكينة لم تجمع الناس في ساحةٍ فحسب، بل جمعتهم على معنى. ورفاعة لم تحضر لتفاخر باسمها مجرد مفاخرة، بل حضرت لتقول إن الاسم الذي صنعه التاريخ يمكن أن يعود إلى الحاضر فعلًا، وإن القبيلة التي أسهمت في صناعة السودان قادرة، متى ما أحسنت قراءة اللحظة، أن تسهم مرة أخرى في إنقاذه من التمزق والخذلان.




