د. الشاذلي عبداللطيف يكتب : المتعاون الجريمة الخفية التي تسبق الرصاصة

في معارك الوطن لا يكون الخطر دائما فيما نراه بأعيننا بل فيما يتسلل إلى بيوتنا وعقولنا بصمت. فالحروب لا تبدأ من فوهة البندقية وحدها بل من المعلومة التي تسلّم والباب الذي يفتح من الداخل. ما واجهته بلادنا لم يكن فعلا عسكريا معزولا بل اختراقا مجتمعيا وامنيا مسّ نسيج الوطن وهدد وحدة الناس قبل امنهم وحوّل الاحياء الآمنة إلى مسارح قتل ونهب وأسر. ومن هنا تبرز مسؤولية الدولة والجهات الامنية في اعادة تعريف الخطر الحقيقي الذي واجه الوطن وهو خطر المتعاون.
لولا المتعاون ما قتل الابرياء داخل منازلهم ولولا المتعاون ما اسر معاشيو القوات النظامية من بيوتهم ولولا المتعاون ما كسرت ونهبت ممتلكات المواطنين ولا عرفت المجموعات المسلحة طرق الازقة ومداخل الاحياء ومسارات القرى والارياف. المتعاون هو من نقل التحركات وعرّف بالاسماء وحدد التوقيت وحوّل المعلومة إلى سلاح سبق كل سلاح. بهذا المعنى لم يكن المتعاون على هامش الجريمة بل في صميمها.
من الزاوية الوطنية والمهنية يعد المتعاون اخطر من المنفذ المسلح. فالمنفذ اداة تحرك وتنفذ بلا وعي ولا انتماء اما المتعاون فيملك الوعي والمعرفة والمكانة داخل المجتمع. الاول يواجه في الميدان والثاني يفكك في الداخل ويضرب وحدة الصف ويكسر الثقة بين الناس والدولة. لذلك فان التقليل من شان التعاون خطا جسيم في تشخيص الخطر ويقود حتما إلى اعادة انتاجه في كل مرحلة.
ولا يقتصر دور المتعاون على الفعل المادي المباشر بل يمتد إلى الفعل المعنوي خاصة في المجال الاعلامي. فالمتعاون قد لا يحمل سلاحا ولا يدل على بيت لكنه يستخدم الكلمة والصورة والتحليل لتليين الوعي العام وبث الشك وزعزعة الثقة وتبرير الجريمة او تزيينها. هنا يتحول الاعلام من رسالة وطنية جامعة إلى ساحة تاثير خطرة تستهدف الروح المعنوية للمجتمع والقوات النظامية في آن واحد.
في هذا السياق يتضح البعد الفلسفي الامني للصراع. فالحرب صراع على المعنى قبل ان تكون صراعا على الارض. المتعاون الاعلامي يعمل على اعادة تشكيل الوعي الجمعي ببطء حتى تصبح الجريمة رايا والخيانة وجهة نظر والقتل حدثا قابلا للتطبيع. ومع الزمن تتآكل القيم الوطنية ويتراجع الحس الجمعي بالمسؤولية ويضعف الانتماء للوطن.
القانون الجنائي السوداني واضح في هذا الباب. فوفق احكام الاشتراك الجنائي يعد شريكا في الجريمة كل من حرّض او ساعد او سهّل او قدم معلومات او وسائل ادت إلى ارتكابها. لا يشترط القانون حمل السلاح فالمعلومة اداة جريمة والدلالة مشاركة كاملة متى ثبت العلم والقصد. وتشمل الافعال المجرّمة تسريب المعلومات وارشاد الجناة وتوفير الماوى والنقل واخفاء الجناة وعرقلة العدالة والتحريض بالفعل او بالكلمة او بالصورة.
وتشتد المسؤولية حين يرتبط التعاون بجرائم تمس امن الوطن وسيادته. فالتخابر مع جماعات مسلحة او تقديم العون لها او تسريب معلومات عن القوات والعمليات يعد جريمة تمس كيان الدولة نفسه. وفي هذا الاطار يعد التعاون الاعلامي شراكة معنوية في الجريمة متى ثبت القصد او العلم بالاثر.
اما بعد ان تضع الحرب اوزارها فان واجب الدولة لا يقتصر على اعادة الانتشار العسكري بل يتجاوز ذلك إلى اعادة بناء الثقة الوطنية وترميم المعنى الجامع. الدولة الوطنية لا تنتقم لكنها لا تفرط في حق الوطن ولا تساوي بين من دافع عنه ومن طعنه من الخلف. النهج الامني الوطني بعد الحرب يقوم على عدالة تحاسب دون تشف ومصالحة واعية لا تقوم على النسيان بل على الاعتراف والمسؤولية واعلام وطني يعيد بناء الوعي ويحمي الذاكرة الجمعية من التزييف.
فالامن الحقيقي هو ان يشعر المواطن ان وطنه يحميه ويصون كرامته وان الخيانة ليست رايا بل جريمة وان الكلمة مسؤولية. وحين تدرك الدولة ان الخطر الصامت اخطر من الرصاصة وان وحدة الوعي لا تقل اهمية علي وحدة السلاح فانها تكون قد وضعت الاساس الصحيح لسلام يحمي الوطن ولا يترك للمتعاونين طريقا للعودة من جديد.




