مقالات

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب:.. بهدوء و تدبر..في شهادة تاريخية : فقر السودان المصطنع بسياسات مرتجلة وتسول بلا مبرر

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب:.. بهدوء و تدبر..في شهادة تاريخية : فقر السودان المصطنع بسياسات مرتجلة وتسول بلا مبرر

 

 

شهادة بالغة الأهمية قوية الدلالة أوردها د. شريف التهامي المهندس الضليع والوزير الكبير الذي علي يديه اكتشف بترول السودان والذهب . وهي شهادة تروي تفاصيل دقيقة تكشف حجم الإهدار والفرص الضائعة ، ليس بسبب غياب الموارد ، بل بسبب غياب الإدارة القادرة على تحويل الإمكانات إلى واقع منتج .
ظل السودان، عبر تاريخه الحديث ، يرزح تحت وطأة فقرٍ لا يمكن وصفه بالحقيقي ، بل هو فقر مصطنع نتج عن غياب الرؤية الاقتصادية الشاملة والإدارة الرشيدة . على الرغم من أن البلاد تمتلك موارد طبيعية ضخمة ، وموقعاً جيوسياسياً فريداً ، فإن السياسات المرتجلة وغياب الإدارة المهنية جعلاها عرضة لأزمات متكررة لا تُحل بالمسكنات ولا بالإجراءات الجزئية ، إنما تتطلب إصلاحاً جذرياً في النهج والرؤية.

ومن الشهادات المهمة التي تؤكد هذه الحقيقة ما جاء في كتاب “صناعة التاريخ والشهادة عليه” للمهندس الدكتور شريف التهامي وزير الطاقة والتعدين الأسبق ، الذي طُبع عن مطبعة جامعة الخرطوم عام 2016م .
يذكر التهامي أن الجهود التي بذلت في أبحاث المعادن شرق السودان في مناطق مثل جبل أبو سمر وجبل أيوب ودرْديب، أظهرت نتائج مذهلة . فقد جلب الجيولوجيون السودانيون عينات ثبت مخبرياً أنها تحتوي على نسب عالية جداً من الذهب ، وصلت إلى أكثر من 26 جراماً للطن ، في حين أن الحد الأدنى الجدير بالاستثمار لا

يتجاوز 2 جرام للطن . ورغم هذا الاكتشاف الثمين فقد توقفت الأبحاث بسبب نفاد التمويل ، حيث كانت البعثة الفرنسية المشرفة على العمل بحاجة إلى 11 مليون دولار فقط لمواصلة المشروع والوصول إلى مرحلة الإنتاج.
عوضاً عن توفير هذا المبلغ من موازنة الدولة، اضطر الوزير للجوء إلى علاقاته الشخصية ، فطلب الدعم من الشيخ أحمد زكي يماني وزير البترول والثروة المعدنية في المملكة العربية السعودية آنذاك ، الذي وافق على تقديم المبلغ كمنحة من الوزارة السعودية بناء على العلاقة الشخصية التي تربطه بالوزير التهامي.

هذه القصة تكشف خللاً هيكلياً صارخاً في عقلية إدارة الموارد ، إذ لم يكن السودان بحاجة إلى منحة خارجية أو تسوّل دبلوماسي لو كانت هناك إرادة سياسية واقتصادية للاستثمار الحقيقي في قطاع التعدين، خاصة في مشروع واعد كهذا . والمؤلم أن تكون هذه هي العقلية المهيمنة، في حين أن مجرد تخصيص طفيف من الميزانية أو إعادة ترتيب أولويات الدولة كان كفيلاً بإحداث نقلة اقتصادية كبرى .

ويستمر التهامي في شهادته، متناولاً أزمة الإمداد البترولي التي رافقت السودان لعقود. فمنذ الثلاثينيات كانت شركات أجنبية مثل موبيل وشل وأجيب هي التي تستورد وتوزع المنتجات البترولية داخل السودان، ثم حدثت تحولات جيوسياسية في المنطقة وارتفعت أسعار النفط فانسحبت تلك الشركات من الاستيراد، وتركت الحكومة تواجه الأزمة منفردة دون بدائل جاهزة . ولم يكن بنك السودان يمتلك احتياطياً كافياً لتغطية استيراد الوقود، مما أدى إلى تفاقم الأزمات وظهور الصفوف الطويلة في محطات التزود .

الأدهى أن العراق حينها كان يقدم كل احتياجات السودان من البترول كهبة على حساب الرئيس صدام حسين الشخصي، دون أن يُدفع مقابل لذلك. لاحقًا . سعت الحكومة إلى إيران والسعودية طلباً للدعم، لتغطية الفجوة في الإمداد، وهو ما يعكس اعتماداً على تسول الحلول الخارجية بدل بناء سيادة اقتصادية داخلية.
ومن المشاهد الرمزية التي تستوقف القارئ ما رواه التهامي عن أن السعودية منحت السودان شحنة بترول كاملة، لكن الدولة لم تكن تملك وسيلة نقل ولا حتى تكاليف شحنها من الموانئ السعودية إلى بورتسودان .

فاضطرت الحكومة إلى التوسل إلى أبناء رشاد فرعون وهم رجال أعمال سعوديون من أصول سورية ليتكفلوا بترحيل الشحنة لكنهم رفضوا القيام بذلك مجانًا فاتفقت الحكومة معهم على الترحيل مقابل حصة من الوقود لاحقاً . وتم الاتفاق معهم بعد جدل طويل لإنجاز هذا الجهد المتواضع مقارنة بما تمثله دولة كالسودان .
هذه الوقائع كما يرويها أحد أبرز الفاعلين في ذلك الزمن لا يمكن تفسيرها إلا باعتبارها نتيجة مباشرة لانعدام التخطيط الوطني المستقل ، وغياب الرؤية التي تجعل من الموارد أدوات للنهضة ، لا تخبطاً عشوائياً وقصوراً مؤسفاً عن تأمين حتى ما يُهدى من موارد استراتيجية تمثل روح حركة الحياة ونشاطها .

وقد أثبتت بعض الإصلاحات الجزئية التي جرت في الآونة الأخيرة – مثل رفع الدعم نسبياً عن الوقود وتحرير أسعاره – أن السوق يمكن أن يستعيد توازنه فوراً بمجرد تدخل بسيط باتجاه التحرير والتنظيم . فما بالك إذا أُرفق ذلك بتحرير شامل وربط برؤية وطنية متكاملة تشمل ضبط أداء كل أجهزة الدولة بنظام رقمي كامل ، وتحرير حركة رؤوس الأموال، وإنشاء بنية تحتية قانونية وإدارية قوية وشفافة .

ما يتضح جلياً من هذه الشهادات هو أن الفقر لم يكن قدراً مقدراً على السودان ، إنما كان صناعة محلية بامتياز ، وأن الخروج منه لا يتطلب عوناً من الخارج بقدر ما يتطلب إرادة من الداخل تتحرر من عقلية التسوّل والتخدير المؤقت ، وتنطلق نحو إصلاح حقيقي يقوم على الحرية الاقتصادية ، والتوظيف الأمثل للموارد ، والعدالة في الإدارة والتمويل ٠

 

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى