محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب:… بهدوء و تدبر…الصرح الممرد… الرسالة رديفة الإتقان والإنجاز المادي

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب:… بهدوء و تدبر…الصرح الممرد… الرسالة رديفة الإتقان والإنجاز المادي
مشهد دخول ملكة سبأ إلى قصر نبي الله سليمان عليه السلام لم يكن مجرد لحظة إعجاب هندسي، بل تجسيداً لمعنى عميق يُظهر كيف تُسهم عظمة البناء وإتقان الإنجاز المادي في دعم الهداية، واستكمال الإقناع، وإثبات أن الدين لا يعارض التقدّم إنما يقوده .
قالت حين رأت العرش : “كَأَنَّهُ ۥ هُوَ” ، وعندما دخلت الصرح : “فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ۚ” ، فأُخبرت : “إِنَّهُ ۥ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ ۗ” ، فكان ذلك ذروة الوعي ، وتمام الاقتناع ، فقالت : ” رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ” .
فالصرح لم يكن دليلاً على الترف أو الزينة ، إنما كان وسيلة بيانية قوية تعزز صدق الرسالة ، وتُثبت أن الدين الحق لا يأتي بعجز أو تخلف ، بل بجمال منضبط ، وتفوق مشهود ، ودليل محسوس يجعل الهداية مقنعة للعقل ، والجمال معيناً على التسليم .
لقد أيّد الله نبيه سليمان بملك غير مسبوق، سخّر له الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب، ونقل له عرش ملكة سبأ بما فيه قبل أن يرتد إليه طرفه، وحشد له من الجن والإنس والطير جنوداً منضبطة. وكان عليه السلام لا
يُغفل أصغر التفاصيل في نظام حكمه، حتى غياب طائر واحد مثل الهدهد استوجب مساءلة صارمة، حيث قال : “وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِىَ لَآ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ . لَأُعَذِّبَنَّهُ ۥ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَا۟ذْبَحَنَّهُ ۥٓ أَوْ لَيَأْتِيَنِّى بِسُلْطَٰنٍ مُّبِينٍ”.
تلك الدولة كانت تعبيراً عن حضارة متكاملة، فيها الدين مقترن بالحكم، والعقيدة متحدة مع الإنجاز، والمراقبة والمحاسبة جزء من النبوة لا نقيضاً لها.
وهنا تتجلى سنّة كونية بالغة، وهي أن الإقناع الكامل لا يكتمل بالوعظ وحده، بل بحاجة إلى قرائن من الواقع تثبت أن ما يدعو إليه الدين ليس خيالاً، بل يمكن تحقيقه في صورة دولة راقية ، وعدالة فاعلة ، ونظام متقن ، وعمران بديع . ذلك ما فعله سليمان ، وبه كمل إيمان بلقيس .
وفي السياق ذاته، فإن الفترة التي قضاها النبي محمد صلى الله عليه وسلم منذ بعثته حتى وفاته لم تتجاوز سنوات معدودات ، لكنها كانت إعجازًا بشريًا وتربويًا ، إذ ربّى جيلاً من الصحابة غيّر وجه الأرض، وبث النور والعمران في أرجائها . وما إن تولى خلفاؤه الراشدون الأمر ، حتى دونوا الدواوين ، وأسسوا أنظمة الحكم
والإدارة، وساروا بالعدل والفتوحات ، بل وسيروا السفن في البحر لأول مرة في تاريخ المسلمين ، وذلك في عهد الخليفة عثمان بن عفّان ، عندما أذن لمعاوية بن أبي سفيان بإنشاء أول أسطول بحري، لتبدأ معركة ذات الصواري التي انتصر فيها المسلمون على الروم ، وفتحت أمامهم أبواب البحار .
إن القرآن لم يفصل بين الرسالة والعمران، بل جعلهما متكاملين . لم يكتف سليمان بالكتاب ، بل أيده الله بالعلم والحكمة والملك، وهيّأ له من يسخّر الحديد والنحاس والرياح والجن والطير ، فصار إيمانه مقروناً بالاقتدار ، وتوحيده محفوفاً بالإتقان ، وجيشه مثالاً على الطاعة والنظام . لم تكن تلك المظاهر ترفاً، بل جزءاً من بيان الرسالة، وتجلياً للعدل في صورة القوة المنضبطة.
وهكذا تتضح لنا ملامح النهضة المتكاملة، وهي ليست مجرد صحوة دينية ، ولا مجرد تقدم عمراني ، بل لقاءٌ بين القيم والإنجاز ، بين الهداية والتنظيم ، بين الرسالة والمؤسسة. إنها النهضة التي تُقيم الدين والدولة معاً ، وتُشيّد البناء المادي على قاعدة من الهداية الربانية والميزان العادل ، فتصنع نموذجًا يُقنع العالم لا بسطوة السلاح ، بل بروعة المثال .
إن النهضة التي نرجوها اليوم هي تلك التي تبني الإنسان عقيدةً وعقلاً ، وتبني الدولة إدارةً وعدالة ، وتبني العمران إتقاناً ووظيفة . لا انفصال فيها بين الشريعة والنظام ، ولا خصام بين الإيمان والابتكار ، ولا تناقض بين الروح والتقنية . وهذا هو طريق النهضة في معناها الثالث : نهضة الرسالة ، ونهضة الدولة ، ونهضة العمران . فإذا تضافرت هذه الثلاثة، خرج من تحتها مجتمع قوي، ودولة عادلة ، وعالم منصف .
وهكذا يتجلى في مشهد الصرح الممرد أن عظمة الدين لا تكتمل إلا إذا تزيّنت بحُسن الإدارة ، واتسقت مع كفاءة الإنجاز ، وتجلّت في مؤسسات تشهد أن الدين ليس مُجمّداً في صفحات التاريخ، بل مشروعٌ حيٌّ للمستقبل.