محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب:.. بهدوء و تدبر..الخدمة المدنية السودانية: انضباط استعماري وفوضى وطنية !!

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب:.. بهدوء و تدبر..الخدمة المدنية السودانية: انضباط استعماري وفوضى وطنية !!
حين نتأمل واقع الخدمة المدنية السودانية اليوم، يتكشف بوضوح الفارق بين الدولة المحكمة التي بناها الاستعمار لنهب ثروات بلادنا وانهيار وعشوائية الدولة في ظل الحكم الوطني .
قد تبدو المقارنة مستفزة وصادمة ، لكن واقع الحال لا يدع مجالاً للتجميل . فقد أسّس الاستعمار البريطاني جهاز دولة إدارياً كان – رغم نواياه الاستغلالية – أكثر انضباطاً وكفاءة واستمرارية مما خلّفته سبعة عقود من الحكم الوطني.
الاستعمار لم يكن هدفه تنمية السودان، بل نهب خيراته بأقل تكلفة وأقصى مردود، ولذلك بنى دولة منظمة تخدم مصالحه وكان ينبغي أن يطور الحكم الوطني هذه الدولة أو على الأقل يحافظ عليها لكنه على العكس هدمها وتسبب في انهيار مؤسساتها وحسن تنظيمها .
أنشأ مشروع الجزيرة الذي كان وما زال أكبر وحدة زراعية مروية في العالم وبنسق فريد في الري الإنسيابي ما زال هو الأفضل . وأقام فيه نظاماً إدارياً محكماً وربطه كله بشبكة هاتف وأنشأ له خط سكة حديد خفيف يعبر المشروع وينقل محاصيله بيسر الى المحالج التي أنشأها في الحصاحيصا ومارنجان وإلى محطات السكة الحديد الرئيسية .
وأنشأ وحدة متطورة للأبحاث الزراعية واقام في كل تفاتيشه مساكن للموظفين والعمال ومخازن وأنشأ إدارة هندسية بامكانات ضخمة وآليات تكفي لجميع العمليات الزراعية بدءا من تحضير الأرض وصيانة شبكة الري وانتهاء بالحصاد وإزالة المخلفات .
ولأجل نهب القطن من مشروع الجزيرة ومحاصيل البلاد من مختلف مناطقها
أنشأ البريطانيون شبكة سكة حديد في السودان تعتبر في حينها من الأفضل في إفريقيا، تبدأ من حلفا وابوحمد الى عطبرة ومن بورتسودان في خطين احدهما الى عطبرة والآخر عبر كسلا والقضارف وسنار الى كوستي ومن عطبرة الى الخرطوم عبر الحصاحيصا ومدني الى سنار . ومن كوستي عبر الأبيض إلى نيالا في أقصى الغرب .
وزودت بشبكة هاتف واقيم معها ورش الصيانة ومساكن لجميع عمالها وموظفيها في كل مسار هذا الخط الطويل فكان القطار يصل كل نقطة ومحطة بالضبط في الثانية المحددة له .
وأنشأت الادارة الإستعمارية ميناء بورتسودان الحديث، لتصدير القطن والسمسم والصمغ العربي وكافة منتجات السودان .
وبني المستعمر العاصمة الخرطوم على أحدث نسق في ذلك الزمان من مبان للوزارات ومؤسسات الدولة مازالت قائمة كما هي . وأنشأ شبكة طرق وشبكة مياه وشبكة مجاري صرف صحي وشبكة تصريف مياه الامطار وتشجير كل مدن العاصمة .
وأقام بالتالي مدنا منظمة في كل أنحاء السودان ببنية تحتية متكاملة وزودها بالخدمات .
الوضع اليوم على النقيض مما تركه المستعمر في كل مجال ولكن بأمثلة بارزة فقط نجد :
*سكة الحديد ترقد في غرفة العناية بل تعطلت تماماً وانهارت منظومتها وتعثر أداءها باضطراد حتي توقفت تماما .
*مشروع الجزيرة أنهكه الإهمال وضعفت شبكة الري البديعة تحت وطأة الإطماء وانعدام آليات الصيانة وانهارت المباني والمخازن ونهبت وتعطلت المحالج وتم تفكيك خط سكة الحديد ونهبت قضبانه وتحولت قاطراته وعرباته الى خردة نهبت وبيعت . وأصبح القطن يصدر من دول لا تزرعه .
*الميناء تحت التهديد بالتفكيك أو التخصيص الغامض.
*أنشأ المستعمر كلية غردون التذكارية لتخريج موظفي دولة أكفاء من أبناء السودان، تدربوا على الإدارة والحسابات والمجالات الفنية والهندسية والقانونية واللغة والضبط الوظيفي. هذه الكلية كانت نواة جامعة
الخرطوم، وكانت خريطة توزيع المناهج فيها تقوم على احتياجات الإدارة الفعلية للدولة الاستعمارية ولم يكن الغرض تنمية الإنسان السوداني، لكن النتيجة كانت وجود موظف كفء منضبط يخدم جهازاً يعمل وفق خطة. أما اليوم فالجامعات تنهار ، ويتخرج آلاف الموظفين بلا تدريب ولا فهم لوظائفهم، في مؤسسات بلا لوائح أو رقابة حقيقية.
*أنشأ الإنجليز نظاماً عدلياً منظماً، بسجلات محفوظة وهرم قضائي صارم وشرطة مدعومة بالمعينات كافة. ورغم أن القضاء لا يزال بخير برجاله، إلا أن ما ينقصه هو التحديث الشامل في المعينات، وربط النظام القضائي بالأنظمة الرقمية الحديثة، وتوفير بيئة مهنية محفزة تليق بعدالته.
*مدينة طوكر في الشرق كانت تصدّر القطن من داخل الغيط مباشرة، عبر نظم ريّ تقليدية مدهشة ودولة حاضرة في كل تفاصيل الإدارة الزراعية والمالية والأمنية . أما اليوم، فطوكر تعاني التهميش حيث توقف المشروع وانهارت مؤسساته .
*في بعض المشاريع الزراعية الكبرى، كانت خطوط الهاتف الأرضي تمتد إلى منازل المفتشين والمشرفين بل وبعض كبار المزارعين، مما أتاح إدارة دقيقة وتنسيقاً مباشراً مع الإدارات العليا. واليوم، رغم انتشار الهواتف المحمولة، إلا أن البنية التحتية المؤسسية للاتصال شبه معدومة، ولم تستطع التكنولوجيا أن تعوّض غياب الدولة، حيث لا يمكن للفوضى أن تُنتج نظاماً مهما توفر لها من أدوات.
*والمفارقة القاسية أن أكثر من قرن مضى، ورغم التقدم الإداري والتقني العالمي، ما زلنا أقل كفاءة من جهاز إداري استعماري كان يعمل بالقلم والدفتر والتلغراف والحبر الأحمر. كان غرضهم النهب بخطة، أما حكمنا الوطني – في الغالب – فكان بلا خطة، بينما ظل النهب قائماً لكن بلا بناء ولا نظام رشيد .
نحن لا نمتدح الاستعمار، بل نحمّل الحكم الوطني مسؤولية الفشل في البناء، بل حتى في صيانة ما ورّثه الاستعمار من بنى تحتية وإدارية .
لقد اعتاش السودان لعقود على ما تركه حكم الإنجليز الاستعماري ، ثم أتقن الحكم الوطني تحطيمه وتفكيكه .
والغريب في الأمر أن المسار الطبيعي للأمم أن تتقدم مع مرور الوقت، فكلما ابتعدت من حقبة الاستعمار واقتربت من العصر الأحدث، ازداد تطورها المؤسسي والعلمي، خاصة في الخدمة المدنية. لكن في السودان، حدث العكس تماماً: فبدل أن نبني على ما وُرّثناه ونرتقي به، انحدرنا حتى أصبح واقعنا الإداري اليوم – في عصر الرقمنة والعولمة – أكثر تخلفاً وبمراحل بعيدة من جهاز دولة استعماري بُني في أوائل القرن العشرين، بالقلم والدفتر والحبر الأحمر .
إنها المفارقة القاسية: تأخرنا عن من سبقونا، لا بمنطق التخلف التاريخي، بل بسوء إدارتنا المعاصر.
ونقول بكل تأكيد ويقين أن بعث السودان يبدأ من دعامتين جوهريتين: التحرير المطلق والأنظمة الشاملة المتكاملة. أما التحرير، فمقصود به تحرير شامل لكل مفاصل الحياة، من التجارة إلى الاستثمار، ومن تداول العملات إلى الإنتاج، ومن الأسواق إلى القوانين، لتحرير الدورة الاقتصادية كلها من القيود والتدخلات الفاشلة، ولتعمل بكفاءة وتلقائية. وأما الأنظمة المتكاملة، فتعني
بناء مؤسسات فعالة، تبدأ من الخدمة المدنية عبر إصلاح جذري لبنية الدولة وترقيتها باللوائح وتطوير نظم الضبط والتقييم والمساءلة، لتكون أدوات فاعلة في مشروع النهضة، لا معاول لهدمه.
بلا هاتين الدعامتين، لن تقوم للدولة قائمة، ولن تُبنى النهضة، وستظل مؤسسات الدولة تدور في فلك الهدم الذاتي .
لنبنِ ما هو حديث، لكن على أسس لا تقل صرامة ولا علماً مما بُني في الماضي. ولنعترف: إن الاستعمار بنى ليأخذ، أما نحن فقد فشلنا في البناء حتى ونحن أصحاب الأرض والسيادة، بل فشلنا حتى في المحافظة على ما بناه الاستعمار قبل مائة عام، فضلا عن تطويره. وما لم نؤسس خدمة مدنية محررة ومُنظّمة، فلن نجد من يخدم الوطن، مهما ادّعى الوطنية وتدثر بشعاراتها .
محمد عثمان الشيخ النبوي