مقالات

مفوضية الأمان الاجتماعي تقود معركة التمكين الاقتصادي.. 22 ألف مشروع الي الانتاج

همس البوادي|سعادسلامة

في اليوم العالمي للحد من الفقر لا يحتاج السودان إلى كلمات تُقال عن معاناة الفقراء بقدر ما يحتاج إلى قرارات تنتشلهم من قسوة الحاجة وبرامج تفتح أمامهم أبواب الرزق وإرادة تجعل كرامة الإنسان أولوية لا تقبل التأجيل
ففي السابع عشر من أكتوبر يقف العالم أمام واحدة من أعقد القضايا الإنسانية لكن السودان يقف أمامها بوجع مضاعف فرضته الحرب وفقدان مصادر الدخل واتساع دائرة الحرمان وهنا يصبح الحد من الفقر أكبر من مناسبة عالمية إنه اختبار حقيقي لقدرة السياسات على حماية الإنسان وتحويل المعاناة إلى فرصة للتعافي والحاجة إلى قوة إنتاج واليأس إلى أمل في حياة كريمة

فالفقر لا يُهزم بالشعارات ولا تُسترد كرامة الإنسان بالمساعدات وحدها بل بتمكينه من امتلاك مصدر رزق يحميه من العوز ويمنحه القدرة على صناعة مستقبله ومن هنا تأتي أهمية الانتقال من الاستجابة المؤقتة لضرورات الحياة إلى بناء حلول اقتصادية مستدامة تضع الإنسان في قلب التنمية وتمنحه فرصة حقيقية للاعتماد على الذات
وفي السودان حيث أثقلت الحرب كاهل الأسر وأضعفت مصادر الدخل ووسعت دوائر الحرمان أصبحت مكافحة الفقر واحدة من أهم معارك التعافي الوطني لأنها لا تتعلق بتوفير الاحتياجات الأساسية وحدها بل باستعادة الاستقرار وبناء مجتمع قادر على مواجهة الأزمات وصناعة الأمل من قلب المعاناة

وفي هذا السياق جاءت احتفالية اليوم العالمي للحد من الفقر التي نظمتها مفوضية الأمان الاجتماعي والتكافل وتخفيض الفقر بالتنسيق مع وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية لتجدد الدعوة إلى تعزيز الحماية الاجتماعية والانتقال من الإعانة المباشرة إلى التمكين الاقتصادي المستدام بما يفتح أمام الأسر محدودة الدخل أبواب الإنتاج والعمل الكريم
وأكد الدكتور محمد علي سالم خلال الاحتفالية أن تخفيف الفقر في السودان ليس هدفا اجتماعيا فحسب بل ركيزة أساسية للاستقرار والسلام والتعافي وإعادة الإعمار في تأكيد على أن مكافحة الفقر تمثل جزءا أصيلا من معركة استعادة الحياة وبناء مستقبل أكثر استقرارا للمواطن السوداني

ومن أبرز المبادرات التي طُرحت خلال المناسبة التوجه نحو إطلاق 22 ألف مشروع صغير ومتناهي الصغر في 11 ولاية عبر شراكة بين مفوضية الأمان الاجتماعي والتكافل وتخفيض الفقر وديوان الزكاة وبنك التنمية الاجتماعية بهدف نقل الأسر من دائرة الاحتياج إلى الإنتاج والاعتماد على الذات
إن هذه المبادرة تستحق الاهتمام لكن قيمتها الحقيقية لن تُقاس بعدد المشروعات المعلنة بل بعدد الأسر التي ستخرج فعليا من دائرة الفقر وبقدرة هذه المشروعات على توفير دخل مستدام يضمن حياة كريمة للمستفيدين
فالمشروع الصغير ليس مجرد نشاط اقتصادي محدود بل يمكن أن يكون نقطة تحول في حياة أسرة بأكملها ووسيلة لاستعادة الاستقلال المالي وتأمين احتياجات الأبناء وتحسين فرص التعليم والصحة وعندما تنجح أسرة في امتلاك مصدر دخل مستدام فإن أثر ذلك يتجاوز حدود المنزل ليصل إلى السوق والمجتمع والاقتصاد المحلي

لكن النجاح لا يتحقق بمجرد الإعلان عن المشروعات أو توفير أدوات الإنتاج بل يتطلب تمويلا مناسبا وتدريبا عمليا ومتابعة مستمرة وفتح الأسواق أمام المنتجات فكم من مشروع بدأ بحماس ثم تعثر بسبب ضعف التخطيط أو غياب الإسناد الفني والتسويقي ولذلك فإن التمكين الاقتصادي الحقيقي هو الذي يمنح المستفيد فرصة للنجاح والاستمرار لا مجرد دعم ينتهي أثره بانتهاء التمويل
وفي إطار جهود الحماية الاجتماعية استعرضت الاحتفالية مؤشرات تعكس حجم التدخلات الموجهة لدعم المواطنين إذ تجاوزت تدخلات ديوان الزكاة 239 مليار جنيه استفاد منها نحو 2.9 مليون مواطن فيما استفاد 326 ألف شخص في 12 ولاية من برامج للمفوضية تجاوزت قيمتها 48 مليار جنيه إلى جانب وصول التغطية بالتأمين الصحي إلى نحو 36.2 مليون مشترك بما يعادل 86.2 في المئة

وتعكس هذه الأرقام حجم الجهود المعلنة غير أن المعيار الحقيقي لنجاحها يظل في مدى انعكاسها على حياة المواطنين وقدرتها على تخفيف المعاناة وتحسين الوصول إلى الخدمات الأساسية فالأرقام مهما بلغت أهميتها لا تكفي وحدها ما لم تتحول إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في بيته ومعيشته ومستقبل أبنائه
وفي بلد أنهكته الحرب تبرز ضرورة توجيه برامج التمكين نحو الأسر المتضررة والنازحين والنساء المعيلات والشباب الباحثين عن فرص عمل مع ضمان العدالة والشفافية في اختيار المستفيدين حتى تصل الفرص إلى مستحقيها وتتحقق الغاية الاجتماعية والاقتصادية من هذه البرامج
كما أن الاستثمار في المشروعات الصغيرة المرتبطة بالزراعة والإنتاج الحيواني والحرف والصناعات المحلية يمكن أن يسهم في تحريك الأسواق وخلق فرص العمل وتنشيط الاقتصاد في الولايات شريطة مراعاة احتياجات كل منطقة وطبيعة مواردها وإمكاناتها

الفقر لا يُهزم بالأرقام وحدها
إن اليوم العالمي للحد من الفقر ينبغي ألا يكون مناسبة لاستعراض الإحصاءات فحسب بل محطة لمراجعة السياسات وقياس النتائج ومساءلة البرامج عن أثرها الفعلي فالسؤال الأهم ليس كم أسرة تلقت المساعدة وإنما كم أسرة استطاعت استعادة قدرتها على الإنتاج وكم مشروعا استمر وكم فرصة عمل جديدة فتحت أبواب الأمل أمام الشباب والنساء والأسر المتضررة
إن الحماية الاجتماعية ضرورة لا غنى عنها خصوصا في أوقات الحرب والأزمات لكنها تبلغ غايتها حين تتكامل مع التمكين الاقتصادي فتسند المحتاج اليوم وتمنحه فرصة للاستقلال غدا فالمواطن الذي يحتاج إلى الغذاء والدواء لا يجوز أن يُترك لمواجهة ظروفه وحده كما لا ينبغي أن تظل المساعدة نهاية الطريق ما دامت هناك فرصة للتدريب والعمل والإنتاج

إن 22 ألف مشروع صغير يمكن أن تتحول إلى 22 ألف نافذة للأمل والإنتاج شريطة أن تجد الأسر التمويل والتدريب والأسواق والمتابعة التي تضمن استمرارها فالمشروعات ليست غاية في ذاتها وإنما وسيلة لبناء حياة أكثر استقرارا واقتصاد أكثر قدرة على الصمود ومجتمع يستعيد ثقته في المستقبل
وفي اليوم العالمي للحد من الفقر تتجدد المسؤولية أمام الدولة ومؤسسات التمويل والقطاع الخاص والمنظمات والمجتمعات المحلية لتوسيع الشراكة وتوجيه الموارد نحو ما يصنع تغييرا حقيقيا في حياة الناس فمكافحة الفقر ليست مسؤولية جهة واحدة بل معركة وطنية تتطلب سياسات فاعلة وإرادة تنفيذية ورقابة تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه

 فاصلة 
إن المناسبة العالمية ليست محطة عابرة تنتهي بانتهاء يومها بل تذكير بأن كرامة الإنسان لا تقبل التأجيل وأن مكافحة الفقر لا تنجح بالوعود وحدها وإنما بإرادة تحول الموارد إلى فرص والمشروعات إلى إنتاج والسياسات إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين
إن كرامة المواطن ليست منحة والتمكين الاقتصادي ليس شعارا والخروج من دائرة الفقر لا يتحقق بإبقاء الإنسان في انتظار المساعدة بل بفتح الطريق أمامه ليعمل وينتج ويعتمد على قدراته ويصنع مستقبله بيديه
اللهم آمنا في أوطاننا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى