
تمرّ اليوم، 23 أكتوبر 2026، الذكرى الأولى لسقوط مدينة الفاشر ، عاصمة ولاية شمال دارفور، في قبضة مليشيا الدعم السريع، في حدثٍ شكّل واحدة من أكثر المحطات دموية في الحرب السودانية، وارتبط بمجازر واسعة وانتهاكات مروّعة طالت المدنيين، وسط دعوات مستمرة لتحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين.
وعلى مدى نحو 18 شهراً من الحصار، عاش سكان الفاشر أوضاعاً إنسانية بالغة القسوة، في ظل نقص الغذاء والدواء والمياه، وتعرض الأحياء السكنية والمرافق المدنية للقصف، قبل أن تتصاعد أعمال العنف مع الهجوم الأخير على المدينة في أواخر أكتوبر 2025.
ووثّق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، في تقرير صدر في 13 فبراير 2026، مقتل أكثر من 6 آلاف شخص خلال الأيام الثلاثة الأولى من الهجوم الأخير، بينهم ما لا يقل عن 4,400 شخص داخل الفاشر وأكثر من 1,600 شخص على طرق الفرار. وأشار التقرير إلى أن الحصيلة الفعلية للقتلى خلال الهجوم الذي استمر أسبوعاً يُرجح أن تكون أعلى من ذلك بكثير.
ورصد التقرير عمليات قتل جماعي وإعدامات ميدانية وعنفاً جنسياً واعتقالات واختفاءات قسرية وعمليات نهب، إلى جانب استهداف مدنيين على أساس انتمائهم العرقي أو الاشتباه في صلاتهم بأطراف النزاع. كما وثّق مقتل نحو 500 شخص في حادثة إطلاق نار داخل سكن الرشيد بجامعة الفاشر، في 26 أكتوبر 2025، حيث كان مدنيون يحتمون بالموقع.
ولم تقتصر المأساة على القتلى والجرحى، إذ واجه آلاف الفارين مخاطر الاعتقال والانتهاكات على طرق الخروج من المدينة، بينما اضطر السكان إلى ترك منازلهم وممتلكاتهم في رحلة نزوح محفوفة بالخوف والمجهول. وأثارت التقارير بشأن الاعتداءات على النساء والفتيات، واحتجاز المدنيين وتعذيبهم، مخاوف واسعة بشأن مصير الناجين والمفقودين.
وفي الذكرى الأولى لسقوط المدينة، أكدت منظمة العفو الدولية، في بيان صدر اليوم، أن المدنيين الذين بقوا في الفاشر أو عادوا إليها ما زالوا يواجهون مخاطر القتل غير المشروع والاحتجاز والتعذيب، إلى جانب محدودية المساعدات الإنسانية واستمرار المخاوف بشأن سوء التغذية بين الأطفال. ودعت المنظمة إلى وضع حد للانتهاكات وضمان حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عنها.
وتعيد هذه الذكرى إلى الواجهة مسؤولية المجتمع الدولي في حماية المدنيين السودانيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، والعمل على كشف مصير المفقودين، وتوثيق الأدلة المتعلقة بالجرائم المرتكبة، وملاحقة المسؤولين عنها عبر آليات قضائية مستقلة وفعالة.
وبعد عام على سقوط الفاشر، لا تزال مأساة المدينة جرحاً مفتوحاً في ذاكرة دارفور والسودان؛ فخلف أرقام الضحايا تقف أسر فقدت أبناءها، وأطفال حُرموا من الأمان، وناجون يحملون آثار العنف والنزوح. وتبقى العدالة، وكشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، مطالب لا تسقط بمرور الزمن.





