
في زمن تتشابك فيه المصالح الدولية وتتعدد فيه الحسابات السياسية تصبح مواقف الدول واختياراتها أمام اختبار حقيقي يكشف مدى تمسكها بقرارها الوطني وقدرتها على حماية مصالحها العليا وفي المشهد السوداني تبرز العلاقة بين الخرطوم وواشنطن في لحظة بالغة التعقيد تتقاطع فيها الحرب مع السياسة والدبلوماسية مع الضغوط الدولية
ويقف الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في قلب هذا المشهد باعتباره رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة في مرحلة استثنائية من تاريخ السودان وبينما تتحرك واشنطن وفق رؤيتها للأزمة السودانية ومسارات وقف الحرب والسلام، فإن الخرطوم تتمسك بأن مستقبل السودان يجب أن يصنعه السودانيون وأن أي تسوية لا بد أن تراعي سيادة الدولة ومصالح شعبها.القضية هنا ليست خلافا عابرا في وجهات النظر وإنما تتصل بصورة أوسع بمسألة القرار الوطني وحدود التدخل الخارجي في الأزمات الداخلية فالسودان الذي يعيش حربا أنهكت مواطنيه وأثرت في مؤسساته وبنيته الاقتصادية والاجتماعية يحتاج إلى السلام والاستقرار أكثر من أي وقت مضى لكنه في الوقت ذاته يحتاج إلى سلام يحفظ الدولة ويصون وحدتها ويضع حدا لمعاناة السودانيين
ومن الطبيعي أن تكون للولايات المتحدة رؤيتها ومصالحها في السودان والمنطقة كما أن من حق السودان أن يحدد رؤيته ومصالحه وأن يدير علاقاته الخارجية وفق ما يراه محققا لأمنه واستقراره. والاختلاف بين الدول في المواقف السياسية لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة دائمة وإنما يمكن أن يكون مدخلا لحوار أكثر وضوحا يقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
لقد أظهرت سنوات الحرب أن معركة السودان لا تتعلق فقط بالميدان وإنما تمتد إلى ساحات السياسة والدبلوماسية والإعلام والرأي العام الدولي ولذلك فإن الحفاظ على الموقف الوطني يحتاج إلى خطاب سياسي واضح ودبلوماسية واعية قادرة على شرح حقيقة الأزمة السودانية للعالم والدفاع عن مصالح البلاد دون الانغلاق أمام الحوار
وفي خضم هذه الظروف يصبح التمسك بالقرار الوطني مسؤولية تتجاوز الأشخاص والقيادات إلى الدولة نفسها فالحكومات تتغير والمواقف السياسية تتبدل لكن السودان باق بأرضه وشعبه وتاريخه وموقعه ولهذا فإن أي علاقة خارجية ينبغي أن تبنى على قاعدة المصالح المتبادلة لا على التبعية وأن يكون التعاون الدولي وسيلة لدعم الاستقرار لا مدخلا للمساس بالسيادة
كما أن المجتمع الدولي أمام مسؤولية كبيرة في التعامل مع الأزمة السودانية بصورة تستند إلى الواقع وتضع حماية المدنيين وإنهاء الحرب واستقرار الدولة في مقدمة الأولويات فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من الاستقطاب بقدر ما يحتاج إلى مسار يقود إلى الأمن والسلام وإعادة البناء.
وفي هذا المشهد تظل العلاقة بين البرهان وواشنطن واحدة من الملفات التي ستكشف خلال المرحلة المقبلة مدى قدرة الطرفين على إدارة الاختلاف بالحوار والدبلوماسية. فالقوة الحقيقية ليست في رفع سقف التصريحات وإنما في امتلاك القدرة على حماية المصالح الوطنية وفتح أبواب التفاهم في الوقت نفسه.
إن السودان الذي واجه خلال تاريخه الطويل أزمات وحروبا وتقلبات سياسية لم يكن يوما وطنا سهل الانكسار وشعبه الذي تحمل قسوة الحرب ما زال يتمسك بأرضه وبحقه في بناء مستقبله ومن هنا فإن إرادة الوطن لا تقاس بحجم الضغوط التي تحيط به وإنما بقدرته على الثبات وحسن إدارة خياراته.
*فاصلة*
فالبرهان وواشنطن قد يختلفان في الرؤية والموقف والسياسة لكن السودان سيظل هو القضية الأكبر وإرادة شعبه هي الأساس الذي ينبغي أن تبنى عليه كل الحسابات
وفي النهاية تبقى إرادة الوطن أقوى من الضغوط حين يكون القرار نابعا من مصلحة الشعب وحين تتحول السيادة من شعار إلى موقف ومسؤولية
*اللهم آمنا في أوطاننا*





