آمنة الفضل تكتب | عطر نسائي

كنتُ في الأمسيات أبحث عن صوت ليلى المغربي.
أستمع إليها وأنا عاشقة، وأتأمل ذلك الحضور الذي يجتمع فيه الجمال بالرقة، ويبعث صوتها في داخلي الحياة؛ أشعر بحرارة اللحظة وبرودتها في آنٍ واحد.
لم يكن صوتها مجرد صوتٍ يمر عبر الأثير، بل كان قادرًا على أن يقف في وجه صدى الأصوات الزائفة، وأن يستعيد شيئًا من الدفء الذي تسرّب من أيامنا.
وكما تغنى الكابلي:
أي صوتٍ زار بالأمس خيالي
طاف بالقلب وغنّى للكمال
وإذاع الطهر في دنيا الجمال
وأشاع النور في صوب الليالي
وفي لحظات الخصام، كنت أفضل أن يزلزل أركان قلبي صوت حنان النيل، حين يأتي العتاب على شاكلة اللطف والرجاء؛ فنحن، حين نحب، نتسامى عن سرد العيوب، ونترفع عن جرح الحبيب، ونقف على الأطلال نناجي وحدتنا، ونعزف لحن الحنين.
وكما صدحت حنان:
خسارة يا قلبي الحنين
هجرونا أحباب السنين
من غير سبب ظلموا الغرام
الكان حلو والكان آمين
ويقولوا عننا ظالمين
ياحليلنا نحنا المخلصين
ثم تأتي آمال عباس.
في مكتبها الأنيق بصحيفة «الصحافة»، كانت تجلس هناك كل صباح. وكنت أمر عليها أولًا، قبل أن أدلف إلى صالة التحرير، كلما حملتني خطواتي إلى الصحيفة في الخرطوم.
تظل ابتسامتها المشرقة، وحكاياتها وذكرياتها، تشاطرنا الحديث، فأخرج من عندها محفوفًا بشيء من الحب والبهجة.
ثلاث نساء، وثلاثة أبواب مختلفة إلى الذاكرة.
فالحب ليس مجرد إحساس عابر بالأشخاص أو الأشياء؛ إنه غرس ملامح المحبوب في ذلك العمق الذي لا يسمح بالنسيان أو التجاوز.
لم تكن ليلى المغربي مجرد إعلامية بالنسبة لي؛ كان لصوتها حضور خاص، حتى بدا لي أنه لا يترك في الذاكرة مساحةً لغيره.

ولم تكن حنان النيل مجرد مطربة في الساحة الغنائية؛ بل كانت صوتًا اكتملت عنده صورة خاصة للأنثى السودانية في الغناء والتطريب، وظل أثره عصيًا على النسيان.
أما آمال عباس، فقد كان قلمها يقطر حروفًا من نور، ثم تزهر بين السطور أقحوانًا؛ وكانت صحبتها العابرة في صباحات الصحيفة تترك في النفس ما هو أبقى من الكلمات.
لم يكن حضورهُنَّ في حياتي عابرًا كما قد توحي به المسافات والأيام.
كنَّ نساءً عبرن حدود الخيال، واستقررن في مكان أعمق من الذاكرة؛ مكان لا تقيسه السنوات، ولا يتجاوزه الغياب.
ربما لهذا نظل، مهما ابتعدت بنا الطرق، نعود إلى أصوات بعينها، ووجوه بعينها، وأغنيات بعينها… لأنها لم تكن يومًا مجرد أصوات أو وجوه أو أغنيات.
كانت جزءًا من تكويننا… كانت أصل الحكاية.
وكما ابدع هاشم ميرغني:
إنتِ وأنا… من حقنا
نفرح نطير زي الفراش
لمكان بعيد ما زارو زول قبلنا
نلملم عقاب الذكريات
لو ذكرى تاني تلمنا
ونبقى عشاق للأبد
نشيل الغرام في دمنا
لا إنتِ تنسيو لا أنا





