مقالات

الرعاية في قلب التحول الخرطوم تفتح صفحة جديدة لصون كرامة الإنسان

همس البوادي|سعاد سلامة

في مرحلة دقيقة تمر بها البلاد وتفرض فيها تداعيات الحرب واقعاً اجتماعياً جديداً يبرز دور المجلس الأعلى للرعاية الاجتماعية بولاية الخرطوم كإحدى المؤسسات الوطنية المعنية بحماية الإنسان وتعزيز منظومة التكافل والرعاية واضعاً قضايا الفئات الأكثر احتياجاً في صدارة اهتماماته فالمجلس لا ينظر إلى الرعاية الاجتماعية باعتبارها استجابة مؤقتة للظروف الطارئة بل باعتبارها مشروعاً إنسانياً وتنموياً يستهدف بناء منظومة متكاملة تحفظ الكرامة وتصون الحقوق وتعيد دمج الفئات الضعيفة في المجتمع.

ومن هذا المنطلق تتواصل أعمال ورشة تطوير الدور الإيوائية وأنظمة الرعاية الاجتماعية التي ينظمها المجلس الأعلى للرعاية الاجتماعية برعاية المدير العام لوزارة التنمية الاجتماعية الوزير صديق حسن فريني وبمشاركة وتشريف والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة في خطوة تعكس اهتمام حكومة الولاية بإعادة صياغة مستقبل الرعاية الاجتماعية وفق أسس علمية ورؤية أكثر شمولاً.

وفي يومها الثاني فتحت الورشة ملفات ظلت لسنوات تبحث عن معالجات جادة ورؤية متكاملة حيث ناقشت أوراقاً علمية متخصصة حول الأطفال فاقدي السند ورعاية كبار السن وإعادة تأهيل دور الإيواء في خطوة تعكس وعياً متقدماً بحجم التحديات الاجتماعية التي أفرزتها الظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد.

ولأن الأطفال فاقدي السند يمثلون إحدى أكثر الفئات هشاشة فقد حظيت قضاياهم باهتمام خاص داخل جلسات الورشة حيث ركزت الأوراق المقدمة على توفير الحماية والرعاية والتأهيل وضمان حقهم في التعليم والاستقرار النفسي والاجتماعي كما ناقشت الورشة أوضاع كبار السن وضرورة تطوير برامج الرعاية المقدمة لهم بما يحفظ مكانتهم ويصون كرامتهم ويضمن لهم حياة آمنة ومستقرة.

وفي محور لا يقل أهمية استعرض المشاركون رؤى متكاملة لإعادة تأهيل دور الإيواء وتطوير خدماتها بحيث تتحول من مؤسسات للرعاية التقليدية إلى مؤسسات متخصصة في الحماية الاجتماعية والتأهيل وإعادة الدمج المجتمعي بما يتوافق مع المعايير الحديثة ويعزز من جودة الخدمات المقدمة للمستفيدين.

وتكشف هذه الجهود عن توجه واضح لدى ولاية الخرطوم نحو بناء منظومة رعاية اجتماعية أكثر شمولاً وكفاءة تقوم على التخطيط العلمي والشراكة المؤسية وتتعامل مع الفئات الضعيفة باعتبارها جزءاً أصيلاً من عملية البناء والتنمية لا مجرد حالات تحتاج إلى إعانة مؤقتة.

ويحسب للمجلس الأعلى للرعاية الاجتماعية أنه اختار مواجهة هذه الملفات بشجاعة ومسؤولية كما يحسب للوزير صديق حسن فريني قيادته لجهود التطوير والإصلاح في قطاع الرعاية الاجتماعية وسعيه إلى ترسيخ مفهوم جديد للرعاية يقوم على حفظ الكرامة الإنسانية قبل أي شيء آخر كما يعكس حضور والي الخرطوم اهتمام حكومة الولاية بتحويل مخرجات الورشة إلى واقع عملي يلامس حياة المواطنين.

إن ما يدور داخل قاعات هذه الورشة يتجاوز حدود النقاشات الفنية والأوراق العلمية فهو في جوهره حوار حول مستقبل الإنسان في ولاية الخرطوم وحول الكيفية التي يمكن بها تحويل مؤسسات الرعاية إلى مؤسسات لصناعة الأمل واستعادة الثقة وبناء التماسك الاجتماعي.

فالخرطوم وهي تعيد ترتيب أولوياتها بعد الحرب تدرك أن بناء المدن يبدأ ببناء الإنسان وأن الرعاية الاجتماعية ليست عملاً خيرياً عابراً بل مسؤولية وطنية والتزام أخلاقي تجاه الفئات الأكثر احتياجاً ومن هنا تبرز أهمية هذه الورشة بوصفها خطوة جادة نحو تأسيس منظومة رعاية حديثة تجعل من كرامة المواطن محوراً لكل السياسات والبرامج.

فاصلة
إنها رسالة واضحة بأن الخرطوم لا تعيد إعمار ما دمرته الحرب فحسب بل تعيد بناء الإنسان نفسه وتفتح أبواب الأمل أمام الأطفال فاقدي السند وكبار السن وكل من دفعتهم الظروف إلى الحاجة للرعاية والحماية وإذا ما تحولت هذه الرؤى إلى برامج ومشروعات ملموسة فإن الولاية ستكون قد دشنت بالفعل ثورة هادئة في ملف الرعاية الاجتماعية عنوانها الكرامة الإنسانية وغايتها أن لا يُترك ضعيف بلا سند ولا يُنسى محتاج بلا رعاية وأن تظل الخرطوم نموذجاً لوطن يحتضن أبناءه في أوقات الشدة قبل الرخاء
اللهم آمنا في أوطاننا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى