مقالات

اشتياق الكناني تكتب | مطار الخرطوم… ذاكرة وطن لا تموت

مطار الخرطوم كنت قد وصلت عبره قبل ثلاثة أسابيع من قيام الحرب اللعينة، ومنذ الوهلة الأولى تتشابك داخلك كل الأحاسيس؛ الاشتياق والفرح ودهشة العودة ورؤية الأهل والأصدقاء في وطن كان نائماً في ضجيج الهدوء الذي سبق العاصفة. لم يكن أحد يتخيل أن تلك الأيام الهادئة كانت تخفي خلفها كل هذا الألم، وأن الحرب ستجعل أبناء السودان مشردين في بلاد الله، تارة لاجئين ومرة أخرى نازحين، نحمل حقائب الذكريات أكثر مما نحمل من متاع الحياة.

ففرحة العودة إلى الوطن لا يعرف معناها الحقيقي إلا من غادر تراب هذه الأرض، وذاق مرارة الغربة وطول الانتظار. حين تهبط الطائرة في مطار الخرطوم تشعر أن قلبك يعود للحياة من جديد، وأن رائحة الأرض وحدها تكفي لتغسل عنك تعب السنين. هناك في وجوه الناس البسطاء، وفي ضجيج الشوارع، وفي حرارة السلام بالأيدي، شيء لا يمكن أن تجده في أي مكان آخر مهما كانت البلاد جميلة ومتطورة.

السودان ليس مجرد وطن عابر في الذاكرة، بل هو حكاية ممتدة في الروح. هذه البلاد التي كانت تُعرف دائماً بأنها لؤلؤة أفريقيا وجوهرتها، بما تملكه من أرض خصبة وإنسان طيب وتاريخ عريق، تستحق أن تكون من أجمل أوطان العالم. لكن الأقدار شاءت أن تمر عليها سنوات من المعاناة والحروب والانقسامات التي أنهكت شعبها وأتعبت قلوب أبنائها.

ورغم كل ما حدث، ما زال السوداني يحمل داخله أملاً عظيماً لا ينكسر. فالحروب مهما طالت لا تستطيع أن تقتلع حب الوطن من النفوس، ولا يمكن للخراب أن يهزم إرادة شعب عرف بالصبر والقوة والتكاتف. السودانيون الذين تفرقوا في بقاع الأرض ما زالوا يجتمعون على حلم واحد، وهو أن يعود السودان آمناً مستقراً كما كان، بل أجمل مما كان.

لقد تركت الحرب آثاراً موجعة في كل بيت، وخلفت قصصاً من الفقد والحزن والنزوح، لكنّها في الوقت نفسه كشفت معدن هذا الشعب الأصيل. رأينا كيف وقف الناس إلى جانب بعضهم البعض، وكيف تقاسموا الطعام والمأوى والدعاء، وكيف أصبحت الإنسانية لغة تجمع الجميع رغم قسوة الظروف. وهذا وحده دليل على أن السودان لا يزال بخير، لأن الخير الحقيقي يكمن في أهله.

مطار الخرطوم اليوم ليس مجرد مكان للسفر والوصول، بل أصبح رمزاً لذاكرة كبيرة تختزن مشاعر الملايين من السودانيين. كل زاوية فيه تحمل حكاية، وكل صالة شهدت دموع وداع أو فرحة لقاء. وربما سيأتي يوم يعود فيه المطار مزدحماً بالحياة من جديد، وتعود الطائرات محملة بالمغتربين العائدين إلى أهلهم، لا بالخوف والقلق بل بالأمان والطمأنينة.

سيبقى السودان أكبر من الحرب، وأكبر من الدمار، لأن الأوطان الحقيقية لا تموت مهما تعثرت. وسيظل في قلوب أبنائه حلماً جميلاً ينتظر النهوض من جديد، حتى تنعم هذه الأرض بالسلام والأمان والمحبة، ويعود الناس إلى بيوتهم مطمئنين، وتعود الخرطوم كما كانت مدينة للحياة والذكريات والأمل.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى