مقالات

رمضان… مدرسة التقوى وبناء الإنسان (25 من 29): رمضان وتأسيس الإنسان المسؤول

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

المسؤولية ليست منصبًا يُمنح، بل حالة وعي تتشكل في الداخل. قد لا يحمل الإنسان لقبًا رسميًا، لكنه يتحمل أثر قراراته وكلماته واختياراته. وهنا يبدأ الفرق بين من يعيش عابرًا، ومن يعيش مسؤولًا.
قال الله تعالى:
﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾.
فالإنسان في الرؤية القرآنية كائن مُساءل، لا يعيش بلا حساب. وهذه الحقيقة تمنح الحياة معنى، وتمنح الأفعال وزنًا.

وقال النبي ﷺ:
«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»
(متفق عليه).
فلم يحصر المسؤولية في الحاكم أو القاضي، بل وسّعها لتشمل كل دائرة تأثير: الأب في بيته، والأم في أسرتها، والموظف في عمله، والعالم في علمه.
وقد نبه العلماء إلى هذا المعنى منذ وقت مبكر؛ فقال الإمام الشافعي رحمه الله:
“لو أن الناس اشتغلوا بما يعنيهم وتركوا الفضول لاستقامت أمورهم.”

إشارة إلى أن الوعي بالواجب وتحمل المسؤولية أساس صلاح الفرد والمجتمع.
ورمضان يعيد تشكيل هذا الوعي. فالصائم يلتزم بنظام محدد لا يفرضه عليه قانون بشري، بل التزام ذاتي. يمتنع عن المباح سرًا وعلنًا، لأنه يشعر بالمسؤولية أمام الله.
المسؤولية تبدأ من ضبط النفس، ثم تمتد إلى ضبط السلوك تجاه الآخرين. أن يعي الإنسان أثر كلمته، وأثر تقصيره، وأثر حضوره أو غيابه. فلا يعيش بمنطق: ما شأني؟ بل بمنطق: ما دوري؟

وقد أظهرت دراسات القيادة الحديثة أن الشعور بالمسؤولية الشخصية هو العامل الحاسم في نجاح الفرق والمؤسسات. فالذين ينتظرون التوجيه الدائم يبطئون المسار، أما الذين يبادرون بوعي فيدفعون العجلة إلى الأمام.
وقد عبّر المتنبي عن هذا المعنى بقوله:
وإذا كانت النفوسُ كبارًا
تعبتْ في مرادِها الأجسامُ

فصاحب النفس الكبيرة لا يهرب من المسؤولية، بل يتحمل تبعاتها، لأن إدراك الرسالة يجعل التعب جزءًا من الطريق لا سببًا للتراجع.
المسؤولية ليست عبئًا ثقيلًا، بل شرف؛ لأنها تعني أنك مؤتمن، وأن وجودك له أثر. والإنسان الذي يدرك هذا الأثر يعيش بيقظة أكبر.
ومن لطائف المعنى أن المسؤولية مرتبطة بالحرية. فكلما اتسعت حرية الإنسان، اتسعت مسؤوليته. أما الحرية بلا مسؤولية فتتحول إلى فوضى.

بناء الإنسان في رمضان لا يقتصر على تزكية القلب، بل يمتد إلى تأسيس شخصية واعية بواجبها؛ شخصية لا تلقي اللوم دائمًا على الظروف، بل تسأل نفسها: ماذا أستطيع أن أفعل؟
فهل نغادر رمضان ونحن أكثر انضباطًا فقط، أم أكثر إحساسًا بالمسؤولية تجاه أنفسنا ومجتمعنا؟

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى