منبر الشرطة الرمضاني… حين تتحول الكلمة إلى جبهةٍ أخرى في معركة الوطن
سعاد سلامة تكتب | همس البوادي

في زمن الحرب لا تكون المعركة في الميدان وحده فإلى جانب هدير المدافع وصخب الجبهات تدور معركة أخرى لا تقل ضراوة معركة الوعي والحقيقة والثقة بين الدولة ومجتمعها وحين تمر الأوطان بامتحاناتها الكبرى يصبح الحوار الصريح ضرورة وطنية لا ترفاً إعلامياً ومن هذا
المنطلق يجيء منبر الشرطة الرمضاني الذي تنظمه وزارة الداخلية ممثلة في رئاسة قوات الشرطة والإدارة العامة للإعلام والعلاقات العامة ليؤكد أن الكلمة المسؤولة قادرة أن تكون جبهة دفاع أخرى في معركة بقاء الدولة
فالسودان اليوم يعيش لحظة مفصلية من تاريخه حربٌ فرضت على البلاد واقعاً قاسياً واختبرت صلابة مؤسساتها وقدرتها على حماية المجتمع في أصعب الظروف وفي مثل هذه اللحظات لا يكفي أن تقف المؤسسات النظامية في الميدان فقط بل يجب أن تقف أيضاً أمام الناس بوضوح تشرح وتفسر وتجيب لأن الثقة هي الحصن الأول لأي دولة تواجه العواصف
ومن هنا تأتي أهمية هذا المنبر الرمضاني الذي يتجاوز حدود اللقاءات التقليدية ليصبح رسالة سياسية ومجتمعية واضحة الدولة ما زالت حاضرة مؤسساتها تعمل وأجهزتها الأمنية لا تحرس الحدود فحسب بل تحرس استقرار المجتمع أيضاً.
فالأمن في زمن الحرب ليس مجرد انتشار للقوات أو مواجهة للمهددات بل هو منظومة متكاملة تبدأ من حفظ النظام العام وتنظيم حياة الناس وتقديم الخدمات الأساسية التي لا يمكن أن تتوقف حتى في أقسى الظروف وهنا يبرز الدور الكبير الذي تضطلع به الشرطة السودانية وهي تقف في قلب المعادلة بين حماية الأمن وخدمة المواطن
ولذلك فإن استضافة قيادات شرطية رفيعة مثل
الفريق شرطة حقوقي عثمان محمد علي دينكاوي واللواء تاج الدين حبيب الله مدير إدارة السجل المدني بجانب اللواء سامي أبو الحسن مدير دائرة الجنايات بشرطة ولاية الخرطوم بحضوراللواء
شرطة د.خواض الشامي مدير الادارة العامة للاعلام والعلاقات العامة والعميد شرطة فتح الرحمن محمدالناط الرسمي باسم الشرطة الاستاذ الطيب سعدالدين وزير الثقافة ولاية الخرطوم ليست مجرد مشاركة بروتوكولية بل تأكيد على أن الملفات الحيوية التي تمس حياة المواطنين تُدار بعقل الدولة ومسؤوليتها خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
فخدمات الجوازات والسجل المدني والبطاقات الثبوتية قد تبدو للبعض إجراءات روتينية لكنها في الحقيقة عصبٌ أساسي في حياة المجتمع وفي زمن الحرب تزداد أهميتها أضعافاً لأن النزوح والتنقل وتغير الظروف تجعل من الوثيقة الثبوتية سنداً أساسياً لحفظ الحقوق وتنظيم الحياة المدنية
إن الهوية الوطنية ليست مجرد ورقة رسمية بل هي عنوان انتماء الإنسان لوطنه وضمانة حقوقه أمام القانون ورمز ارتباطه بالدولة. ولهذا فإن استمرار هذه الخدمات وتطويرها في ظل الحرب يمثل رسالة قوية بأن مؤسسات الدولة قادرة على الصمود والعمل رغم كل التحديات
غير أن القيمة الحقيقية لمنبر الشرطة الرمضاني لا تكمن فقط في المعلومات التي تُقدم بل في الرسالة التي يحملها أن الشفافية ليست ضعفاً وأن الحوار مع المجتمع ليس مجاملة بل هو واجب وطني في زمن تتكاثر فيه الشائعات وتتسابق فيه الأخبار غير الدقيقة
فالحروب الحديثة لا تُخاض بالسلاح وحده بل تُخاض أيضاً بالكلمة والشائعة قد تفتك بالمجتمع أسرع مما تفعل الرصاصة ولهذا يصبح الإعلام المسؤول والحوار المباشر بين المؤسسات والمجتمع خط الدفاع الأول لحماية الوعي العام من التضليل والتشويش
إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى الانتصار في الميدان بل يحتاج أيضاً إلى ترسيخ الثقة بين الدولة ومواطنيها وهذه الثقة لا تُبنى بالشعارات بل بالمصارحة والانفتاح والعمل الجادومن هنا يمكن النظر إلى منبر الشرطة الرمضاني باعتباره خطوة في الاتجاه الصحيح لترسيخ ثقافة الدولة التي تخاطب شعبها بلا حواجز
وفي نهاية الأمر فإن الدول التي تنجح في تجاوز الحروب ليست تلك التي تمتلك القوة العسكرية وحدها بل تلك التي تحافظ على تماسك مجتمعها وثقة شعبها بمؤسساتها.
في سياق الجهود المتواصلة لإعادة ترتيب المشهد الأمني وترسيخ هيبة الدولة حمل منبر الشرطة الرمضاني الذي انعقد بمركز أم درمان الثقافي جملة من الرسائل المهمة والبشريات للمواطنين لا سيما السودانيين المقيمين خارج البلاد مؤكداً أن مؤسسات الدولة تمضي بخطى متسارعة نحو استعادة الأمن واستقرار الأوضاع
وخلال المنبر استعرض الفريق دينكاوي التحديات الكبيرة التي واجهت هيئة السجل المدني في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد موضحاً أن العمل لم يتوقف رغم تعقيدات المرحلة بل اتجه نحو تحديث شامل لبيانات المواطنين وتعزيز منظومة تأمين الهوية الوطنية عبر إدخال تقنيات حديثة تتماشى مع التطور العالمي من بينها اعتماد بصمة العين كإحدى الميزات التأمينية المتقدمة كما أشار إلى أهمية إدراج السودان ضمن المفتاح الدولي للوثائق الأمر الذي أسهم في تعزيز موثوقية الجواز السوداني ورفع درجة الاعتماد عليه دولياً بما يدعم جهود مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب ويعزز الأمن القومي
وفي ما يتعلق بالسودانيين العائدين من الخارج أوضح دينكاوي أن الإجراءات ستكون ميسرة مؤكداً أن المطلوب منهم يقتصر على إثبات الشخصية دون الحاجة إلى تجديد الجوازات في خطوة تهدف إلى تخفيف الأعباء عن المواطنين في هذه المرحلة كما لفت إلى الفراغ القانوني الذي خلفه إلغاء مادة الاستيفاء، مشدداً على ضرورة إعادة تفعيلها لما توفره من ضمانات تحفظ حقوق المواطنين وتضبط إجراءات منح الجنسية مؤكداً في الوقت ذاته أن الدولة لن تتهاون في مراجعة ملفات الجنسية وأن أي أجنبي مُنحت له الجنسية دون استيفاء الشروط القانونية ستُسحب منه وفق الإجراءات المتبعة
من جانبه أكد اللواء سامي أبو الحسن مدير دائرة الجنايات بشرطة ولاية الخرطوم أن الشرطة ماضية في تنفيذ حملات واسعة لتجفيف أوكار الجريمة عبر أطواف مشتركة مع القوات النظامية المختلفة مشيراً إلى أن هذه الجهود تأتي في إطار خطة أمنية متكاملة تستهدف حماية المواطنين وإعادة الطمأنينة إلى الشارع العام. وكشف أبو الحسن عن إعادة تأهيل 101 قسم شرطة بولاية الخرطوم ضمن مساعي إعادة بناء المنظومة الشرطية إلى جانب وضع آليات متخصصة لمكافحة جرائم النهب والسرقات التي تفاقمت بفعل ظروف الحرب
الرسالة التي خرج بها المنبر كانت واضحة الدولة تعمل على أكثر من جبهة في آنٍ واحد جبهة تأمين الهوية الوطنية وتحصينها ضد الاختراق وجبهة فرض سيادة القانون وتجفيف منابع الجريمة بما يؤكد أن استعادة الأمن ليست شعاراً بل مساراً عملياً تشارك فيه مختلف المؤسسات النظامية
فاصلة
فالوطن الذي تتحدث مؤسساته إلى شعبه بصدق لا يمكن أن يُكسر
والوطن الذي تتماسك فيه الجبهة الداخلية سيظل قادراً على العبور مهما اشتدت العواصف
والسودان رغم جراح الحرب ما زال قادراً على الوقوف لأن في مؤسساته رجالاً يؤمنون بأن حماية الوطن ليست بندقية فقط بل كلمة صادقة أيضاً.
اللهم امنا في أوطاننا





