مقالات

رمضان… مدرسة التقوى وبناء الإنسان (13 من 29): الصدق… رأس مال الإنسان

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

ليس الصدق خُلُقًا تجميليًا يُذكر في المواعظ، بل هو أصل البناء الداخلي للإنسان. فإذا تصدع هذا الأصل، تصدعت معه بقية الصفات.
قال الله تعالى في سياق تربية الجماعة المؤمنة بعد الامتحان:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
فالصدق خُلُق فردي يُصلح به الإنسان نفسه، ويُسهم به في صناعة بيئة صادقة من حوله. يبدأ من الضمير، ثم يمتد أثره إلى المجتمع.

وقال النبي ﷺ:
«عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صِدِّيقًا».
فالصدق ليس كلمة عابرة، بل مسار حياة، وترقٍّ متدرج حتى يبلغ الإنسان منزلة الصدّيقين.

وقال تعالى:
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾.
فالصدق عبادة يُثاب عليها العبد، لا مجرد خُلُق اجتماعي.
والصدق يبدأ من الباطن قبل الظاهر. قال ابن القيم رحمه الله:
“الصدق هو استواء السر والعلانية.”
فأن يكون الإنسان صادقًا مع نفسه قبل أن يكون صادقًا مع غيره؛ يعترف بضعفه دون تبرير، ويقر بخطئه دون التفاف، ويصحح قصده دون خداع ذاتي.

ومن لطائف التربية أن الصدق يمنح الإنسان قوة داخلية هادئة. فالذي لا يلجأ إلى الكذب لا يحتاج إلى نسج روايات متناقضة، ولا إلى تذكر ما قاله بالأمس ليغطي ما قاله اليوم. الصادق يعيش بوحدة داخلية، لا بانقسام بين ظاهر وباطن.
وفي رمضان يتجلى معنى الصدق بوضوح. فالصيام عبادة سرية؛ يستطيع الإنسان أن يُفطر خفية عن أعين الناس، لكنه لا يفعل. لماذا؟ لأنه صادق مع ربه. وهذا الصدق في العبادة ينبغي أن يثمر صدقًا في المعاملة.

الكذب قد يحقق مصلحة عاجلة، لكنه يزرع خللًا طويل المدى في الثقة. والمجتمعات لا تقوم على المهارة وحدها، بل على الثقة. وإذا ضعفت الثقة تعطلت المعاملات، وتكاثرت الشكوك، وارتفعت كلفة التعاون.
وتشير دراسات اجتماعية متعددة إلى أن المجتمعات ذات معدلات الثقة المرتفعة تتمتع باستقرار مؤسسي ونمو اقتصادي أكبر. والصدق هو البذرة الأولى لهذه الثقة.
والصدق لا يعني قسوة في التعبير، ولا فظاظة في الطرح، بل مطابقة القول للواقع، والقصد للفعل.

فالصدق خُلُق يبدأ من الفرد قبل أن يصير ثقافة عامة. يُصلح به الإنسان باطنه، ثم يُسهم به في إصلاح محيطه. فلا يشترط أن يعيش في بيئة مثالية ليكون صادقًا، بل قد يكون صدقه هو بداية إصلاح تلك البيئة.
رمضان فرصة لتجديد هذا العهد؛ أن يكون لساننا مطابقًا لقلوبنا، وأفعالنا شاهدةً لأقوالنا، ونفي بوعودنا.
فهل يكون الصدق عندنا خُلُق موسم، أم قاعدة حياة تُبنى عليها بقية الصفات؟

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى