رمضان… مدرسة التقوى وبناء الإنسان (8 من 29): التفكر… من أعظم عبادات القلوب والعقول
محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

ليست العبادة حركة جسد فحسب، بل حركة قلبٍ وعقل. وكما أن في الإسلام صلاةً وصيامًا، ففيه أيضًا ذكرٌ وتفكرٌ وتدبر. بل إن التفكر من أعظم العبادات القلبية التي يغفل عنها كثيرون.
يقول الله تعالى:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
ثم وصفهم بقوله:
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
فجمع بين الذكر والتفكر، بين حضور القلب وحضور العقل، بين العاطفة الذاكرة والبصيرة المتأملة.
وقد رُوي أن النبي ﷺ لما نزلت هذه الآيات قام يتلوها ويتأملها، وقال: «ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها». فليس المقصود مجرد التلاوة، بل الوقوف عند المعنى، واستدعاء السؤال، والبحث عن الحكمة.
قال الإمام الغزالي رحمه الله: “التفكر مفتاح الأنوار، ومبدأ الاستبصار”. فالتفكر ليس شرودًا ذهنيًا، ولا جدلًا عقيمًا، بل تأملٌ منضبط يقود إلى إدراك الحقيقة. هو انتقال من ظاهر الصورة إلى باطن المعنى.
وقال ابن القيم رحمه الله: “التفكر يُنبت في القلب المحبة والخوف والرجاء، وهو مفتاح جميع الخيرات”. فالعقل حين يتأمل، لا يزداد معرفة فحسب، بل يزداد خشية، ويقوى إيمانه، ويستقيم سلوكه.
هو أن تنظر في آية كونية فتراها رسالة، وأن تتأمل حدثًا فتبحث عن سننه، وأن تواجه واقعًا فتسأل: ما القوانين التي تحكمه؟ وما الحكمة التي توجهه؟
وقال بعض السلف: تفكر ساعة خير من قيام ليلة؛ لأن القيام قد يكون عادة، أما التفكر فهو يقظة عقل. والعقل إذا استيقظ، استقام السلوك.
في رمضان يهدأ إيقاع الحياة، وتخف الضوضاء، فتتهيأ مساحة للتأمل. بعد الإفطار، في سكون السحر، في لحظة تلاوة هادئة… هناك فرص ثمينة لمن أراد أن يعيد ترتيب أفكاره، وأن يراجع مساره.
التفكر في القرآن يكشف أبعادًا لم تكن ظاهرة. فآية تُقرأ مرارًا قد تفتح في ليلة باب فهم جديد. والتفكر في النفس يكشف مواطن ضعف تحتاج إلى علاج، ومواطن قوة تحتاج إلى توجيه.
وقد بيّنت دراسات معاصرة أن التأمل الواعي يعزز التركيز ويزيد وضوح الرؤية ويخفف الاندفاع. غير أن التفكر القرآني يتجاوز الأثر النفسي؛ إذ يربط النتائج بالسنن، ويربط الأحداث بالحكمة، ويربط الإنسان بموقعه في هذا الكون.
الأمم لا تنهض بالحماسة وحدها، بل بالبصيرة. والبصيرة لا تولد في الضجيج، بل في لحظة تفكر صادق يسأل فيها الإنسان نفسه: لماذا نفعل ما نفعل؟ وإلى أين نسير؟ وما الذي ينبغي أن يتغير؟
التفكر عبادة كبرى لأنه ينقل الإنسان من سطح الظواهر إلى عمق المعاني، ومن رد الفعل إلى الفعل الواعي، ومن التقليد إلى الاختيار.
ورمضان ليس فقط موسم ضبط الشهوة، بل موسم إيقاظ العقل. فإذا اجتمع قلبٌ ذاكر وعقلٌ متفكر، بدأ البناء الحقيقي.
فهل نقرأ الآيات قراءة عابرة، أم نقف عندها وقفة من يخشى أن يكون ممن غفل عن معانيها؟





