وجه الحقيقة إبراهيم شقلاوي يكتب : الدولة العميقة : من بقي بعد الحرب ؟

حين نتحدث عن الدولة العميقة ، لا نتحدث عن نظام حكم سيطر أو عاد للسيطرة، بل عن منظومة متجذرة من السلوكيات والممارسات الانتهازية والفاسدة، التي أقعدت الدولة السودانية منذ الاستقلال وحتى اليوم. هذه المنظومة تشبه البكتيريا التي تنمو في البيئات الأسنة ، وتخلق حواضنها متى ما وجدت فراغًا في القيادة ، أو ضعفًا في مؤسسات اتخاذ القرار.
كما نعلم فإن شبكات المصالح تدعمها بيئة انتهازية متجذرة على مر العقود، نشأت بصورة مترابطة بين السياسة والاقتصاد، حيث رجال الأعمال وأصحاب المصالح وأطراف أخرى نافذة من خلال الفوضى السياسية والاقتصادية إلى أدوات للربح والنفوذ. هذه الشبكات لا تتوقف عند حدود السوق الرسمي للحكومة، بل تتغلغل في الاقتصاد غير الرسمي، وتستفيد من ضعف المؤسسات لتغذية الفساد، وخلق سوق موازٍ يتحكم في الموارد الاستراتيجية مثل الوقود والغذاء والخدمات الأساسية.
عمليات تهريب الموارد الطبيعية والتي يأتي علي رأسها الذهب، على سبيل المثال، ليست مجرد مخالفات فردية، بل انعكاس لمنظومة من الشبكات و السلوكيات الانتهازية التي تسعى للربح والسيطرة والكسب غير المشروع عبر استغلال ثغرات الدولة وهشاشتها، وضعف العاملين في دوائر القرار
في هذا الإطار، تأتي شرطة ولاية نهر النيل لتقدم نموذجًا حيًا لقدرة الدولة على مواجهة هذه المنظومة، حين أحبطت بالأمس حسب الأخبار تهريب أكثر من 18 كيلوجرامًا من الذهب دون أوراق رسمية، وضبطت متهمين بحيازة سبائك وحبوب ذهبية، واتخذت مقابلهم إجراءات قانونية صارمة.
هذه الضبطية تمثل لحظة مواجهة حقيقية للفساد المستشري، وتظهر أن الدولة لا تزال قادرة على حماية مقدراتها، ولو جزئيًا، وإعادة فرض سلطتها على موارد استراتيجية. ظلت محل عبث من قبل ضعاف النفوس.
الإنجاز ليس فقط أمنيًا، بل يوكد بوضوح أن الدولة، رغم هشاشتها بعد الحرب، يمكنها أن تحد من نفوذ الدولة العميقة عبر الإجراءات الحازمة، وفرض القانون، وحماية الاقتصاد الوطني من التلاعب والانتهازية.
الفساد لم يعد قضية فردية أو ظاهرة متفرقة، بل أصبح منظومة تهدد بنية الدولة واستقرارها منذ الاستقلال وحتى اليوم. وأسهم تراكم هذا الخلل في تهيئة البيئة التي قادت إلى الحرب التي دمرت العمران وشردت الملايين وسحقت كرامة المواطن ، ومع ذلك بقيت الدولة رهينة للفساد، بينما المواطن دفع أعلى تكلفة للحفاظ على الوطن، من أرواح أبنائه إلى تضحياته اليومية. و ظلت شبكات المصالح أكثر قدرة على التكيّف والبقاء.
هذا الواقع يتعاظم في هذه الظروف، في غياب سلطة تشريعية قادرة على المساءلة والرقابة اللصيقة، أصبح الإعلام والصحافة مضطرين لتحمل عبء نقل الحقيقة ومراقبة الأداء الرسمي لتنبيه المسؤولين، مع ضرورة التمييز بين النقد المسؤول وحملات التضليل التي قد تكون جزءًا من صراعات نفوذ داخلية أو أدوات حرب تهدف إلى تفكيك الجبهة الداخلية.
وقد أكدت تحليلات نشرها كتاب موثوقون أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب قيام مؤسسات رقابية مستقلة وقوية، على رأسها مفوضية مكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة، كما نصت الوثيقة الدستورية المعدلة لعام 2025، وهي خطوة أساسية لإعادة ثقة المواطنين، وفرض القانون على الجميع دون استثناء، ومواجهة المنظومة الانتهازية المتغلغلة في الدولة.
إعادة الدولة السودانية إلى مسارها الطبيعي لا تتعلق بإعادة سيطرة أي نظام حكم، بل بإعادة بناء المؤسسات على أسس علمية ومهنية شفافة، وفرض الرقابة على الموارد، ومحاسبة كل من يختطفها لصالح مصالح ضيقة. ويستلزم ذلك تعزيز السياسات والقوانين وحوكمة الاقتصاد وربطه بالسياسات العامة، بحيث يتم دمج جميع القطاعات ضمن إطار قانوني واضح ومسؤول، والحد من السوق الأسود الذي يغذي النفوذ الانتهازي.
في الوقت نفسه، تتطلب مواجهة الدولة العميقة ثقافة سياسية واجتماعية جديدة، تعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وتعزز وعي القيادات بمسؤولياتها، وتضع حدًا للفراغات التي تستغلها هذه المنظومة الانتهازية.
تجارب دولية قابلة للاقتداء، مثل المملكة العربية السعودية و رواندا والمغرب، تثبت أن مواجهة الفساد بجدية، وإنشاء مؤسسات رقابية مستقلة وفعالة، ومساواة الناس أمام القانون ،تؤدي إلى الاستقرار وتحفز التنمية، وتمنح الدولة القدرة على فرض سيادتها على مؤسساتها ومقدراتها.
الضبطيات النوعية، مثل إحباط تهريب الذهب في نهر النيل، تمثل تحول مهم وتوضح أن المواجهة ممكنة، وأن الدولة يمكن أن تعيد فرض سلطتها، وتعيد تعريف مفهوم السلطة القانونية بعيدًا عن النفوذ الانتهازي، وتضع أسسًا لإدارة شؤون البلاد في وضح النهار بلا خفاء أو تحايل.
هذا وبحسب #وجه_الحقيقة فإن المرحلة المقبلة حاسمة بالنسبة للسودان: إما أن تكون الدولة شفافة وقادرة على المحاسبة، ذات مؤسسات فاعلة، ومستعدة لمواجهة شبكة الانتهازية المستمرة، أو أن تُساق مجددًا إلى مربع الانهيار والفوضى. كل خطوة عملية لإنشاء مفوضية مكافحة الفساد، ومساءلة المسؤولين، وتعزيز الرقابة على الموارد، تمثل بداية مشروع لإعادة بناء الدولة، كمنظومة إدارية، وكمؤسسة اجتماعية وسياسية قادرة على حماية المواطنين، واستعادة ثقة المجتمع في الدولة، ووضع حد للفساد والانتهازية التي أثقلت كاهل السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم.
مواجهة الدولة العميقة تتطلب إرادة سياسية، ، ووعيًا شعبيًا، وإجراءات حاسمة، لتحويل تضحيات الشعب السوداني إلى دولة فعلية، قوية، وقائمة على القانون و العدالة والشفافية، بعيدًا عن الفساد والهيمنة والابتزاز.
دمتم بخير وعافية.
Shglawi55@gmail.com





