رمضان… مدرسة التقوى وبناء الإنسان (5 من 29): … بين الدعاء ومسؤولية السعي
محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء و تدبر

وسط آيات الصيام، يتوقف السياق القرآني عند آية تبدو لأول وهلة منفصلة عن النسق التشريعي، لكنها في الحقيقة في قلب المعنى التربوي للصيام:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.
ليس هذا الانتقال استطرادًا، بل تأسيسًا. فالصيام الذي يضبط الجسد، يفتح باب القرب. والجوع الذي يعلّم الصبر، يهيئ القلب للاتصال. وكأن الله سبحانه يخبر الصائم أن الانضباط ليس غاية في ذاته، بل طريق إلى حضور أعمق.
الدعاء في جوهره ليس تمنيًا عاطفيًا، ولا مجرد ألفاظ تُردد في لحظة ضيق، بل هو فعل وعي يضع الإنسان في موضعه الصحيح من الوجود. حين يدعو، يعترف بحدوده،
ويستحضر أن فوق الأسباب مسببها. وهذا الاعتراف لا ينتقص من فاعليته، بل يحرره من وهم الاستقلال المطلق.
قال النبي ﷺ: «الدعاء هو العبادة». لأنه يعبر عن لب العبودية: افتقار واعٍ، وثقة صادقة، وتسليم يلازمه عمل. فالدعاء في المنظور القرآني لا يناقض السعي، بل يزكّيه. ولا يعطل الأسباب، بل يوجّهها.
كثيرون يتصورون الدعاء بديلًا عن الحركة، لكن الوحي لا يقر هذا الفهم. فالدعاء حركة قلبية تسبق الحركة العملية وترافقها. هو ضبط للاتجاه قبل السير، وتصحيح للبوصلة قبل قطع الطريق. ومن استقام اتجاهه، استقام سعيه.
ومن لطائف التعبير القرآني في الآية أنه لم يقل: “فقل لهم إني قريب”، بل قال مباشرة: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾. حذف الوسيط، وقُرِّبت المسافة. فالقرب هنا ليس خبرًا يُنقل، بل علاقة تُعاش. ليس معلومة ذهنية، بل حضورًا وجوديًا يعيد ترتيب الداخل.
حين يستقر في القلب معنى القرب، لا يعود المستقبل مجهولًا بلا معنى، ولا القدر غموضًا مربكًا، بل طريقًا يسير فيه الإنسان وهو يعلم أن جهده واقع تحت عين العناية. هذا الإدراك لا يصنع اتكالية، بل يولد طمأنينة تدفع إلى مزيد من السعي، لا إلى الانسحاب منه.
وقد بيّنت أبحاث معاصرة أن الإيمان بوجود معنى أعلى للحياة يعزز القدرة على الصمود، ويرفع معدلات التوازن النفسي. غير أن الدعاء في ميزان الإيمان يتجاوز الأثر النفسي؛ فهو صلة مباشرة بخالق الأسباب، واعتراف بأن النتائج بيده وإن كان السعي بأيدينا.
الدعاء ليس مجرد طلب لتغيير الواقع، بل أحيانًا يكون مدخلًا لتغيير الذات. قد تتبدل القلوب قبل أن تتبدل الظروف. وقد تتسع الرؤية قبل أن تتغير المعطيات. فيتعلم الإنسان أن يسعى وهو راضٍ، ويعمل وهو مطمئن، ويجتهد وهو مدرك أن التوفيق فضل.
وفي رمضان تتكثف لحظات القرب: عند الإفطار، في السحر، في القيام. كأن الشهر كله مساحة مفتوحة لإعادة صياغة العلاقة بين القلب وربه، وبين الجهد والنتيجة، وبين المسؤولية والتوكل.
ليست الحياة مجرد جهد مادي، ولا مجرد دعاء مجرد؛ بل توازن دقيق بين قلب متصل، وعقل واعٍ، وجوارح تعمل. أن تبذل ما تستطيع، وأن تدعو وأنت تعلم أن ما وراء استطاعتك بيد الله.
ومن يتعلم كيف يدعو بصدق، يتعلم كيف يسعى بوعي. ومن جمع بين الدعاء الصادق والسعي المسؤول، لم يعد أسير اللحظة، بل ماضياً في طريقه على بصيرة، مطمئنًا إلى أن العناية تسبق خطاه وترافقها.
فهل يكون دعاؤنا كلمات محفوظة، أم لقاءً حيًا يعيد ترتيب المسار؟





