
في ظل تسارع وتيرة الحياة وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي على تفاصيل يومنا، باتت المعلومة الطبية سلاحًا ذا حدين، بين وعي حقيقي وخطر تضليل يهدد الصحة العامة، خاصة بين الشباب.
في هذا الإطار، كان لنا هذا الحوار مع د. أحمد مصطفى عدلان، الذي لا يكتفي بدوره العلاجي داخل العيادات، بل يضع التوعية الصحية في صدارة أولوياته، محذرًا من الانسياق وراء “الوصفات السحرية” والتشخيص الذاتي، ومؤكدًا أن الوقاية والوعي هما حجر الأساس لبناء مجتمع صحي ومتوازن.
س: في البداية، كيف ترون مستوى الوعي الصحي في ظل هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي؟
نحن نعيش عصر “السوشيال ميديا” التي يمكن اعتبارها سلاحًا ذا حدين. فمن ناحية، ساهمت في ديمقراطية المعلومة وسهولة الوصول للنصائح الطبية، لكن من ناحية أخرى فتحت الباب لانتشار ما أسميه “شبه المعلومة”، وهي أخطر من الجهل، لأنها تمنح ثقة زائفة قد تقود لقرارات صحية خاطئة.
س: ما أكثر المفاهيم الطبية المغلوطة التي تؤرقكم حاليًا، خاصة بين الشباب؟
أكثر ما يقلقني هو الهوس بالمكملات الغذائية والخلطات مجهولة المصدر، سواء للتفتيح أو لزيادة أو إنقاص الوزن. كثير من هذه المنتجات يحتوي على مشتقات الكورتيزون بجرعات سامة أو معادن ثقيلة، ما يؤدي إلى تدمير وظائف الكلى والكبد، وترهلات مزمنة في الجلد يصعب علاجها لاحقًا.
س: البعض يعتمد على الإنترنت في تشخيص حالته الصحية، كيف تقيّمون هذا السلوك؟
التشخيص الذاتي عبر الإنترنت يفتقد لأهم ركيزة طبية، وهي الفحص السريري والسياق المرضي. محركات البحث والذكاء الاصطناعي تعطي احتمالات، لكنها لا تعطي تشخيصًا. هذا السلوك يرفع منسوب القلق المرضي، ويدفع البعض لتناول أدوية دون داعٍ أو تأخير علاج حالات قد تكون خطيرة.
س: ما أهمية الفحص الدوري حتى في غياب الأعراض؟
الفحص الدوري ضرورة، وليس رفاهية. كثير من الأمراض تكون صامتة في بدايتها، واكتشافها المبكر يغيّر مسار العلاج بالكامل، ويقلل التكلفة والمعاناة النفسية والجسدية على المريض.
س: كيف يؤثر نمط الحياة الحديث على صحة الإنسان؟
السهر وقلة الحركة ليسا مجرد عادات سيئة، بل مسببات مباشرة للالتهاب المزمن في الجسم. هذا ينعكس على الجلد في صورة شحوب، حب شباب، وشيخوخة مبكرة، كما يضعف الجهاز المناعي ويؤثر على الصحة العامة.
س: هل يمكن الفصل بين الصحة النفسية والصحة الجسدية؟
لا يمكن الفصل بينهما على الإطلاق. الضغوط النفسية تترجم في الجسم على شكل اضطرابات هرمونية، تساقط شعر، وأمراض جلدية مناعية. المظهر الخارجي هو مرآة للتوازن الداخلي، وغالبًا ما يكون الإرهاق النفسي هو السبب الخفي خلف مشكلات ظاهرية.
س: ما الدور الحقيقي للطبيب في ظل هذا الكم من المعلومات المتداولة؟
دور الطبيب يجب أن يتجاوز كونه “كاتب روشتة” إلى مثقف صحي. علينا تبسيط المعلومة العلمية، ومواجهة الهلع الرقمي، وبناء علاقة ثقة قائمة على الحوار مع المريض.
س: وكيف يجب أن تكون علاقة المواطن بالدواء؟
علاقة قائمة على الوعي والسؤال. الدواء قد يكون شفاءً بجرعة صحيحة، وسمًّا بجرعة خاطئة. الإفراط في المسكنات والمضادات الحيوية دون استشارة طبية قنبلة موقوتة تهدد الصحة العامة.
س: ما التحدي الصحي الأكبر الذي يواجه المجتمع حاليًا؟
التحدي الأكبر هو غياب مفهوم “الأمن الصحي الوقائي”. نركز غالبًا على العلاج بعد وقوع المرض، بينما نحتاج إلى وعي جماعي يضع الوقاية، وجودة الغذاء، ونمط الحياة الصحي في المقدمة.
س: ما النصيحة الذهبية التي توجهونها لكل أسرة؟
قبل تطبيق أي نصيحة طبية تصل عبر فيسبوك أو واتساب أو تيك توك، اسألوا طبيبًا مختصًا. علّموا أبناءكم أن الصحة تُبنى في البيت، في النوم المنتظم، والغذاء السليم، وليس في الصيدليات أو الوصفات السريعة.





