
مرة أخرى استحوذ اجتماع لمجلس الأمن بخصوص أزمة البلاد انعقد أمس الأول الخميس على اهتمام كبير.
وكالعادة، يبرع مندوب السودان الدائم بمجلس الأمن السفير الحارث إدريس في استعراض ما جرى بالبلاد ويقدم طرحاً قوياً.
عملية الانتقال
وقال مندوب السودان الحارث إدريس إنّ السودان يطلع لوقف حرب العدوان، مستشهداً بما قدًمته الحكومة لرؤيتها لوقف الحرب لمجلس الأمن.
وأضاف الحارث بأن حكومة الأمل مستمرة في جهودها لصنع السلام وفق ملكية وطنية وإنجاح عملية الانتقال وصولاً إلى إجراء انتخابات وتمكين الشعب من الاختيار الديمقراطي.
الحارث إدريس أشاد في كلمته بالمبادرة السعودية الأمريكية المصرية لوقف الحرب في السودان، مؤكدًا بأن قنوات السودان مفتوحة للتعاطي الإيجابي مع المبادرة. ودعا مندوب السودان إلى ضرورة اتخاذ تدابير بوقف تدفق وانسياب السلاح إلى المليشيا والدعم الذي تحصّل عليه.
وفي السياق قدم مندوب مصر لدى مجلس الأمن السفير أسامة عبد الخالق كلمةً قوية، حيث أكد بأن استقرار السودان ليس شأناً داخلياً وإنما ركيزة أساسية لاستقرار الإقليم بأسره.
وأضاف بأن أي مساس بمؤسسات الدولة السودانية سيولّد انعكاسات مباشرة على أمن المنطقة.
وشدّد مندوب مصر على رفض أي كيانات موازية أو ترتيبات من شأنها تقويض الدولة الوطنية، مؤكدًا أن الحفاظ على مؤسسات السودان هو المدخل الحقيقي للاستقرار.
فيما أكد مندوب المملكة العربية السعودية السفير عبد العزيز الواصل دعمهم لوحدة السودان وسلامة أراضيه وحماية المدنيين وتأمين الممرات الإنسانية والعمل الجاد للوصول إلى تسوية مستدامة، مشيرًا إلى استمرار الدعم الإنساني السعودي للشعب السوداني وضرورة تنسيق الجهود الدولية لتجنب تضارب المبادرات.
واعتبر الواصل بأن الحل في السودان لا يكون عسكرياً بل عبر عملية سياسية شاملة تحفظ وحدة البلاد وتضع مصلحة الشعب السوداني فوق كل اعتبار.
تداعيات إقليمية
ويعلّق الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي د. عمار العركي على جلسة مجلس الأمن التي شهدت نقاشاً ساخناً حول الملف السوداني.
العركي قال إنّ ما ورد أكد على المؤكد أن المعركة في الميدان العسكري، بل بين دهاليز الشرعية الدولية وبين سطور سرديات المصالح والنفوذ.
وتابع محدّثي بأن خطاب السودان – كالعادة – جاء متماسكاً، واضح الرسائل، ومؤسسًا على التعريف الحاسم الذي تم بناءه في الخطابات السابقة “سودان يواجه تمرّداً مسلحاً مدعوماً من أطراف خارجية بقيادة الإمارات، وليس حرباً داخلية أهلية أو بين طرفين داخلين متنازعين”.
خطاب السودان نجح في تثبيت ثلاثة رسائل جوهرية ترفض المعادلة التي تساوي بين القوات المسلحة والمليشيا، وتحذّر من أي محاولة لشرعنة كيانات موازية في مناطق سيطرتها، وتؤكّد على أن الحل السياسي يجب أن ينطلق من الاعتراف بسيادة الدولة ووحدة مؤسساتها.
ويواصل د. عمار ويقول إنّ الرسائل الثلاث بمثابة رد مباشر على توجّهات ومبادرات دولية تحاول صياغة الأزمة باعتبارها “حرب أطراف” تحتاج إلى تسوية متوازنة. في المقابل، بدا موقف بريطانيا المعلوم منذ بدايات الحرب – حاملة القلم – مُركّزاً على صياغات تُعيد إنتاج فكرة “الطرفين”، وهو طرح يمنح غطاءً وطوق نجاة سياسي وعسكري، بريطانيا وبصفتها حاملة القلم في الملف، تدرك ثقل تأثيرها داخل المجلس، وبالتالي فإن أي مساواة لغوية تتحوّل عملياً إلى تموضع سياسي. ومن هنا جاء التحفظ السوداني الصريح ولفت النظر على أن هذه المقاربة، غير دقيقة وغير واقعية نظراً لطبيعة التمرّد والمتمردين والواقع على الأرض.
وأضاف العركي وقال إنه على الضفة الأخرى، برز الموقف غير المستغرب والمتوقع لكل من مصر والمملكة العربية السعودية داعماً لوحدة السودان واستقراره، ورافضًا لأي سيناريو يقود إلى تفتيت الدولة أو فرض أمر واقع سياسي بقوة السلاح.
هذا الدعم لم يكن عاطفياً أو نظرياً، بل منطلقاً من إدراك ووعي سابق بأن انهيار السودان ستكون له تداعيات إقليمية عميقة، وقد تم التعبير عن ذلك عمليًا وواقعياً قبل انعقاد المجلس.
وبحسب د عمار العركي فإنّ القراءة النهائية للجلسة تشير إلى أن السودان نجح في تثبيت سرديته وتأكيد واقعية وعدالة طرح قضيته من زاوية السيادة ووحدة الدولة، وتعزيز صلابة الأرضية العربية المساندة التي يقف عليها، غير أن التحدي سيبقى في تحويل هذا الزخم السياسي إلى مواقف عملية داخل المجلس، تمنع أي انزلاق نحو تسويات تنتقص من شرعية الدولة أو تساوي بينها وبين من تمرد عليها.
الزخم الدبلوماسي
بدوره، يقول رئيس تحرير صحيفة المقرن محجوب أبو القاسم إنّ كلمات مناديب السودان ومصر والسعودية واضحة في طرحها ومباشرة في رسائلها السياسية وحملت مضامين يمكن البناء عليها في مسار الأزمة السودانية، حيث جاء موقف السودان واضحاً في كل الجلسات التي انعقدت طيلة فترة الحرب، مذكرًا بأن ما حدث تمرد مسلح استهدف الدولة ومؤسساتها والحكومة عازمة على استعادة الأمن والاستقرار وبسط سيادة القانون.
ويضيف أبو القاسم بأن الحكومة منفتحة على حل سياسي حقيقي ينهي الحرب، لكنها لن تقبل بأي صيغة تنتقص من سيادة الدولة أو المساواة بينها وبين الجماعات المسلحة.
ويرى محجوب بأن كلمات السودان ومصر والسعودية تعكس مشهداً مختلفاً داخل اجتماع مجلس الأمن في طبيعة النقاش الدولي حول السودان فبدلاً من الخطاب الضاغط أحادي الاتجاه برزت لغة أكثر توازنًا تجمع بين أولوية حماية المدنيين والحفاظ على مؤسسات الدولة.
محجوب أبو القاسم ذكر بأن إيجابية الجلسة تكمن في ثلاثة عناصر رئيسية وهي وجود تقاطع واضح بين الموقفين المصري والسعودي في دعم وحدة السودان ورفض تفكيك مؤسساته وهو ما يمنح الخرطوم عمقاً إقليمياً داعماً داخل أروقة المجلس، بالإضافة إلى وضوح الطرح السوداني وثقته في الدفاع عن شرعية الدولة مع إبراز الانفتاح على مسار سياسي دون التفريط في السيادة الوطنية، وأخيرًا غياب الأطروحات التي تتحدث عن ترتيبات انتقالية مفروضة أو حلول خارج السياق الوطني وهو تطور إيجابي في توصيف الأزمة.
وأشار أبو القاسم إلى أنّ المجلس لم يصدر قراراً حاسماً لكن المناخ العام للجلسة يشير إلى إدراك متزايد بأن الحفاظ على الدولة السودانية هو المدخل الحقيقي لأي سلام دائم. وأن السودان اليوم أمام فرصة لتعزيز هذا الزخم الدبلوماسي عبر خطوات عملية على الأرض، فكلما تعزز الاستقرار الداخلي ازدادت فرص تحول الدعم السياسي الدولي إلى دعم تنموي وإعماري حقيقي.
المصدر | صحيفة الكرامة





