
منذ اللحظة الأولى لتحرير ولاية الخرطوم، لم تنتظر وزارة الداخلية طقوس الاحتفال ولا كلمات الإشادة. عادت إلى قلب الخرطوم كما يعود الأب إلى بيته ، مثقلاً بما رأى، لكنه مصمم على أن يعيد الحياة إلى كل زاوية خمد فيها النبض.
كانت مؤسسات الشرطة شاهدة على حجم الخراب الذي خلّفته مليشيا الدعم السريع. مبانٍ تهدمت، أجهزة تحطمت، وأروقة كانت تضج بالحياة أصبحت صامتة. لكن وسط هذا الركام، وقفت الإدارة العامة للخدمات الصحية كقلبٍ لا يتوقف عن الخفقان، لأنها لم تكن مجرد إدارة… كانت ملاذاً للمرضى، وسنداً لمنسوبي الشرطة وأسرهم، وملجأً للمواطنين في أصعب الأيام.
بدأت الإدارة بخطة إسعافية عاجلة لإعادة تشغيل مستشفى الشرطة بري. لم يكن الأمر مجرد صيانة، بل كان إعادة روح لمكان عرفه الناس ملاذاً آمناً. رأينا بأعيننا كيف عادت الحوادث للعمل، وكيف أضيئت غرف الأشعة من جديد، وكيف عاد مبنى العمليات ليحمل اسم الشهيدة العميد شرطة نهاد محمد محجوب… اسمٌ يختصر معنى التضحية في معركة الكرامة.
تجدد المعمل المركزي، ونهضت الصيدلية المركزية، وعاد جناح الفريق أول عبد الله حسن سالم إلى الحياة، كما عاد مستشفى الشرطة التعليمي للأسنان ليستقبل المرضى بابتسامة جديدة.
واليوم تُستجلب أحدث الأجهزة الطبية، استعداداً لعودة المستشفى بكامل طاقته… عودة طال انتظارها.
وفي بورتسودان، حيث استقرت الحكومة خلال الحرب، لم يكن مستشفى الشرطة مجرد منشأة طبية، بل كان سنداً لمدينة حملت عبء الوطن كله. خلال عامين فقط، تحول إلى مستشفى مركزي متكامل: أجهزة أشعة مقطعية، مركز مناظير، جهاز تفتيت حصاوى، وبيئة عمل تليق بالكوادر الطبية.
ومؤخراً، أُضيء أمل جديد بافتتاح مركز طب وجراحة العيون، ليصبح علاج العيون متاحاً دون عناء السفر أو الانتظار.
حين خرجت مستشفيات كثيرة عن الخدمة، بقيت مستشفيات الشرطة واقفة. كانت تُداوي الجرحى، وتستقبل المرضى، وتسد فجوةً كان يمكن أن تتحول إلى كارثة. كانت ملاذاً للمواطنين، ويداً حانية في زمنٍ قاسٍ.
كل هذا الحراك لم يكن ليحدث لولا الدعم الكبير من من مدير عام الشرطه السابق الفريق أول شرطة خالد حسان محي الدين .وزارة الداخلية بقيادة الفريق شرطة حقوقي بابكر سمرة، ومن رئاسة قوات الشرطة بقيادة الفريق أول شرطة أمير عبد المنعم فضل. دعمٌ لم يكن شكلياً، بل كان إيماناً بأن منسوبي الشرطة وأسرهم يستحقون أفضل رعاية، وأن المواطن يستحق خدمة تليق بكرامته.





