مقالات

رمضان… مدرسة التقوى وبناء الإنسان(1 من 29): لماذا كتب عليكم الصيام؟

محمد عثمان الشيخ النبوي يكتب | بهدوء

ليس الصيام امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو تشريع إلهي لإعادة بناء الإنسان من الداخل. حين نقرأ قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
نجد أن الغاية ليست الجوع، ولا العطش، بل “التقوى”. والتقوى كما قال أهل العلم أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية. إنها وعيٌ يقظ، وضبطٌ مستمر للنفس، وحراسة داخلية لا تغفل.

الصيام تدريب عملي على استعادة السيطرة. الإنسان المعاصر يعيش تحت ضغط الرغبات المتدفقة بلا انقطاع؛ شهوة الطعام، شهوة الاستهلاك، شهوة الظهور، شهوة الردّ، شهوة الانتقام. فيأتي رمضان ليقول له: تستطيع أن تقول “لا”. تستطيع أن تضبط ذاتك. تستطيع أن تؤجل رغبتك. وهذه القدرة هي حجر الأساس في بناء الشخصية المتزنة.
قال النبي ﷺ: «الصيام جُنّة». والجُنّة في اللغة هي الوقاية والدرع. فهو ليس عبادة شكلية، بل وقاية من الانفلات الداخلي. وحين يضعف سلطان الشهوة، يقوى سلطان العقل، ويستعيد القلب موقع القيادة.

وقد تحدث علماء التربية قديمًا عن مجاهدة النفس وكسر اعتيادها، وأشارت دراسات في علم النفس إلى أن تدريب النفس على تأجيل الإشباع يرتبط بزيادة القدرة على ضبط السلوك واتخاذ القرار. وهذا المعنى يلتقي مع مقصد الصيام في تهذيب الإرادة وتعزيز الانضباط.
لكن الصيام ليس مجرد تمرين إرادي؛ إنه عبادة سرية. قال الله تعالى في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به». لأنه عبادة لا يطلع عليها أحد اطلاعًا كاملًا، يستطيع الصائم أن يفطر خفية إن شاء، لكنه لا يفعل. هنا تتشكل مراقبة الله، وهنا يولد الإنسان المسؤول، الذي يستقيم ولو غاب الرقيب البشري.

ولذلك كان الصيام مدخلًا لتقويم الأخلاق. قال ﷺ: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم». الصيام ليس امتناعًا عن الطعام فقط، بل امتناع عن الانفلات. إنه ضبط اللسان، وتهذيب الغضب، وإدارة الانفعال. إنه تنظيم يوم كامل على ميزان التقوى.
ومن لطائف السلف قول طلق بن حبيب: “التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله”. إنها وعي منضبط، لا انكماش، وانتباه دائم، لا ارتباك.

في رمضان تتغير علاقة الإنسان بذاته. الجائع يدرك قيمة النعمة، والعطشان يشعر بحقيقة الحاجة، والممتنع عن الشهوة يكتشف أنه أقوى مما ظن. وهنا يبدأ بناء الإنسان: حين يكتشف قدرته على التحكم في نفسه، لا أن تكون نفسه هي التي تتحكم فيه.
لقد مرّت أمم كثيرة بتحديات مادية ضخمة، لكن الذي يحسم مصير الأمم ليس وفرة الموارد فقط، بل نوعية الإنسان. والإنسان المتقي هو إنسان منضبط، صادق، أمين، ثابت تحت الضغط. وهذه الصفات لا تُدرّس نظريًا، بل تُبنى عمليًا. ورمضان هو معسكر البناء السنوي.

الصيام إذن ليس طقسًا موسميًا، بل مشروع إعادة ضبط شامل. إنه إعادة تعريف للحرية؛ فالحرية الحقيقية ليست أن تفعل ما تشاء، بل أن تملك نفسك حين تشاء. ومن ملك نفسه، ملك قراره. ومن ملك قراره، استطاع أن يبني حياته، وأسرته، ومجتمعه.
ولهذا كان السؤال الأهم في مطلع هذا الشهر: لماذا كتب علينا الصيام؟
والجواب: ليُبنى الإنسان من جديد.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى