
بالأمس أخذتني أقدامي إلى سوق أم درمان بعد ثلاثة أعوام من آخر زيارة له. كان الإحساس مختلفاً، فوقع الأقدام يأخذك إلى دروب تعرفها وتألفها وتعتاد عليها، وهكذا يطمئن الإنسان وهو يسير في طرق مدينته وحواريها ويأنس بها. رغم آثار الحرب، ما زالت ملامح المكان قادرة على استدعاء الذكريات القديمة، حيث تختلط مشاعر الحزن بالأمل، ويشعر الزائر بأن السوق يحاول النهوض من جديد رغم كل ما مر به.
ظلت بعض المباني صامدة، بينما تهدمت أخرى بفعل القذائف والأسلحة الثقيلة، تاركة بصمات مؤلمة على الجدران. ويعد حي الركابية من أكثر المناطق تضرراً، إذ أحدث الرصاص فراغات في الحوائط يمكن رؤية المارة من خلالها. ومع ذلك، ما زال السكان يحاولون التكيف مع الواقع، ويعملون على ترميم ما يمكن ترميمه، في مشهد يعكس قوة الإرادة والرغبة في العودة إلى الحياة الطبيعية.
عند التجول داخل السوق، يلفت الانتباه عودة محلات التوابل بكامل نشاطها، حيث تتصاعد أصوات ماكينات الطحن وروائح الدكوة والويكة. الأسعار تبدو مناسبة نسبياً، لكن المشكلة الأكبر تتمثل في انقطاع التيار الكهربائي، إذ تعتمد المحلات على المولدات التي تعمل بالجاز، ما يؤدي إلى انتشار الأتربة والروائح التي قد تضر بمرضى الحساسية والربو.
وفي قسم العدة، تتوفر معظم مستلزمات المطبخ السوداني، إلا أن ضعف القدرة الشرائية يدفع كثيراً من الأسر للتركيز على شراء الطعام فقط. إحدى السيدات ذكرت أنها ترغب في استكمال احتياجات منزلها، لكنها ما زالت متأثرة بخسارة ممتلكاتها بعد تعرض منزلها للنهب سابقاً، وهو ما يعكس حجم المعاناة التي مر بها المواطنون خلال الفترة الماضية.
ورغم هذه الصعوبات، يواصل السودانيون التمسك بالأمل والعمل على إعادة بناء حياتهم، خاصة مع اقتراب شهر رمضان الذي يمثل موسماً للخير والتكافل. ويحرص كثيرون على تجهيز منازلهم ولو بالحد الأدنى، في محاولة للحفاظ على العادات الاجتماعية وروح المشاركة التي تميز المجتمع السوداني.
أما شارع الذهب، فقد استعاد جزءاً كبيراً من حيويته، حيث فتحت العديد من المحلات أبوابها، إلى جانب محلات الملابس الرجالية والنسائية وملابس الأطفال. الحركة التجارية تبدو أفضل نسبياً، كما عادت محلات الجرتق والإرث السوداني للعمل من جديد، في إشارة إلى عودة المناسبات الاجتماعية تدريجياً.
كما لفتت محلات الديكور الانتباه بألوان الأقمشة الزاهية، بينما أضفى سوق الطيور أجواءً مبهجة بأصوات العصافير المتنوعة، ما منح الزوار شعوراً مؤقتاً بالفرح ونسيان هموم الواقع. هذه التفاصيل الصغيرة تعكس إصرار الحياة على الاستمرار مهما كانت الظروف.
وتشهد محلات الجزارة وبائعات الشاي قرب المسجد الكبير وحول مواقف المركبات حركة واضحة، حيث يلتقي الناس لتبادل الأحاديث واستعادة روح التجمعات القديمة. وتبقى روائح البخور والعطور السودانية حاضرة بقوة، ممتزجة بروائح العطور الحديثة، ما يمنح السوق طابعاً خاصاً يجمع بين الأصالة والتجدد.
ورغم عودة النشاط النسبي، ما زال السوق يفتقد عدداً كبيراً من رواده الذين فرقتهم ظروف الحرب والنزوح. ومع ذلك، يظل الأمل قائماً في أن تعود الحركة التجارية والاجتماعية إلى سابق عهدها، وأن يستعيد سوق أم درمان مكانته كأحد أهم مراكز الحياة الاقتصادية والاجتماعية في السودان، وذاكرة حية تحكي قصة الصمود والقدرة على تجاوز المحن.
ويؤكد كثير من التجار أن استمرار الاستقرار وعودة الخدمات الأساسية سيسهمان في إنعاش السوق بصورة أكبر، ويشجعان المواطنين على العودة للتسوق والاستثمار. كما يأمل الأهالي أن تعود الأيام التي كان فيها السوق مزدحماً بالحياة والوجوه المألوفة والضحكات الصادقة بين الباعة والمتسوقين في مختلف أوقات العام دون استثناء كما كان سابقاً تماماً.





