مقالات

البرلمان الانتقالي السوداني بين التوافق السياسي وفلسفة التأسيس الرشيد

د. الشاذلي عبداللطيف يكتب | ترانيم الظلم

تأتي بشائر حكومة الأمل في لحظة سودانية فارقة، لحظة لا تحتمل التسرع بقدر ما تحتاج إلى التبصّر. فالدول الخارجة من الحروب والانقسامات لا تُبنى بالشعارات، بل بالمؤسسات التي تُصاغ بعقل الدولة لا بعاطفة اللحظة. وفي قلب هذه المؤسسات يقف البرلمان الانتقالي بوصفه أحد أهم مفاتيح استعادة التوازن، وترميم الشرعية، وإعادة الثقة بين السلطة والمجتمع.

لقد أثبتت التجربة السودانية منذ ديسمبر 2018 أن الفراغ التشريعي لا يظل حيادياً. فحين يغيب البرلمان، تميل الكفة تلقائياً لصالح السلطة التنفيذية، وتتحول الاستثناءات إلى أعراف، ويضعف مبدأ الفصل بين السلطات، وهو المبدأ الذي لا تقوم الدولة الحديثة إلا عليه. كما أن غياب المؤسسة التشريعية فتح المجال لتضخم الخطاب غير المؤسسي، حيث صارت المنصات الرقمية بديلاً عن النقاش العام المنظم، بما تحمله من استقطاب وتضليل واهتزاز للثقة الوطنية.

من هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نُكوّن برلماناً انتقالياً؟ بل: كيف نُكوّنه؟ وبأي فلسفة؟ وبأي شرعية؟ فالبرلمان في المرحلة الانتقالية ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لضبط المسار، وحماية الدولة من الانفراد، ومنع إعادة إنتاج الأزمة في ثوب جديد.

الفلسفة البرلمانية الرشيدة في سياق انتقالي تقوم على التوافق لا الغلبة. فالتجارب المقارنة تؤكد أن البرلمانات التي وُلدت من رحم الإقصاء سرعان ما تحولت إلى ساحات صراع، بينما تلك التي تأسست على قاعدة رضا وطني واسع أدت دورها كجسور عبور لا كمتاريس مواجهة. التوافق هنا لا يعني تذويب الخلافات، بل إدارتها داخل مؤسسة، وتحت سقف قواعد متفق عليها.

وفي الحالة السودانية، يصبح التمثيل على مستوى الولاية مدخلاً ضرورياً لتحقيق العدالة السياسية. فالولايات ليست وحدات إدارية فحسب، بل حوامل اجتماعية وتاريخية، وإشراكها بعدالة في البرلمان الانتقالي يعيد الاعتبار لفكرة الدولة الجامعة، ويحد من شعور التهميش الذي غذّى الصراعات لعقود. غير أن هذا التمثيل يجب أن يُوازن بالكفاءة، حتى لا يتحول البرلمان إلى تجمع رمزي بلا قدرة تشريعية أو رقابية.

أما من حيث الشكل، فإن أفضل سيناريو للمرحلة الانتقالية هو مجلس تشريعي واحد، مؤقت، بصلاحيات محددة بدقة. فالتعدد المؤسسي في زمن الهشاشة يرهق الدولة ولا يخدمها. ويجب أن تُحصر اختصاصات البرلمان في تشريعات المرحلة الانتقالية، والرقابة المالية والإدارية، ودعم الإصلاح المؤسسي، وتهيئة البيئة الدستورية والسياسية للانتقال الديمقراطي. ما عدا ذلك يُترك للحكومة المنتخبة لاحقاً، حفاظاً على مبدأ المؤقت، ومنعاً لتحول الانتقال إلى إقامة دائمة.

الرقابة هي روح البرلمان الانتقالي. رقابة حقيقية تبدأ من المال العام، ومن دورة الميزانية تحديداً، لا من البيانات السياسية. فحين يمتلك البرلمان أدوات مساءلة فعالة، فإنه لا يعرقل الحكومة، بل يحميها من أخطائها، ويحمي الدولة من الانزلاق إلى حكم الضرورة المفتوحة.

إن البرلمان الانتقالي، إذا أُحسن تصميمه، يمكن أن يكون رافعة للاستقرار لا عبئاً عليه، ومجالاً لإعادة السياسة إلى إطارها المؤسسي بعد أن أنهكتها الساحات المفتوحة. وهو قبل كل شيء اختبار وعي للنخب السودانية: هل نختار ما يملأ الفراغ سريعاً، أم ما يؤسس لدولة متوازنة لعقود قادمة؟

السودان اليوم لا يحتاج إلى برلمان يرفع الأصوات، بل إلى برلمان يضبط الإيقاع. لا يحتاج إلى مؤسسة تُجيد الخصومة، بل إلى مؤسسة تُتقن الموازنة. وفي هذا الاختيار تتحدد ملامح الدولة القادمة، لا لسنة انتقالية واحدة، بل لجيل كامل يبحث عن دولة تُدار بالحكمة، لا بردود الأفعال.

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى