د. أحمد عدلان… حين تصبح الأخلاق المهنية رسالة قبل أن تكون مهنة
هدي الخليفة النور تكتب | عبق الذاكرة

في زمنٍ أصبحت فيه المعلومة الطبية سلعة، والتعليم امتيازًا باهظ الثمن، يبرز نموذج مختلف يعيد تعريف دور الطبيب، لا بوصفه معالجًا فقط، بل مثقفًا ومسؤولًا اجتماعيًا. نموذج يقدّمه د. أحمد عدلان، من خلال حضوره العلمي والتعليمي والتوعوي، الذي اتسم بالبساطة، والوضوح، والالتزام الأخلاقي، بعيدًا عن الاستعراض أو الاستغلال.
ما يلفت الانتباه في تجربة د. أحمد عدلان ليس فقط محتواه الطبي، بل الطريقة التي يُقدَّم بها هذا المحتوى. منشوراته الطبية مكتوبة بلغة قريبة من الفهم، خالية من التعقيد غير المبرر، تحترم عقل القارئ أيًا كان مستواه العلمي. لا يتعامل مع المعرفة كوسيلة لإثبات التفوق، بل كأداة لنقل الفائدة، وهو فارق جوهري بين من “يعرف” ومن “يعلّم”.
أما على مستوى التعليم الطبي، فقد قدّم د. أحمد عدلان نموذجًا نادرًا في شرح المناهج لطلاب الطب بأسلوب مبسّط، يزيل الرهبة عن المواد المعقّدة، ويعيد ربط الطالب بجوهر العلم لا بحفظه الأعمى. محاضراته، التي تُقدَّم بمقابل رمزي أو يكاد يكون معدومًا، تكشف عن قناعة راسخة بأن العلم حق، وليس حكرًا على من يستطيع الدفع. في وقت ارتفعت فيه أسعار الكورسات إلى أرقام تعجيزية، اختار طريقًا معاكسًا، أكثر إنسانية وأقرب لجوهر المهنة.
ولا يمكن إغفال دوره التوعوي، خصوصًا في الملفات الصحية الحساسة التي يكثر فيها التضليل التجاري، مثل الكريمات المبيّضة وحبوب التسمين. تناول هذه القضايا لم يكن بدافع إثارة الجدل، بل بدافع حماية الناس من ممارسات ضارة تُسوَّق بوعود كاذبة. طرحه كان علميًا، هادئًا، خاليًا من التخويف أو المبالغة، يعتمد على الأدلة الطبية، ويضع صحة الإنسان فوق أي مكسب مادي.
الأهم من كل ذلك أن هذا الخطاب لم يحمل نبرة وصاية أو تعالٍ. لم يتحدث د. أحمد عدلان من برجٍ عاجي، بل من موقع الطبيب الذي يرى نفسه جزءًا من المجتمع، مسؤولًا عن وعيه بقدر مسؤوليته عن علاجه. هذه الروح هي ما يمنح المعلومة مصداقيتها، ويمنح صاحبها احترامًا حقيقيًا لا يُشترى.
إن أخلاقيات المهنة الطبية لا تُقاس بعدد الشهادات ولا بحجم المتابعين، بل بمدى الإخلاص في نقل المعرفة، والصدق في النصح، والحرص على مصلحة الإنسان. وفي هذا الإطار، تقدّم تجربة د. أحمد عدلان مثالًا يستحق التوقف عنده، ليس للإشادة الفردية فقط، بل للتأكيد على أن الممارسة الأخلاقية لا تزال ممكنة، وأن الطبيب يمكن أن يكون معلّمًا نزيهًا، ومثقفًا مسؤولًا، وصوتًا توعويًا صادقًا في آنٍ واحد.
في زمن نحتاج فيه إلى نماذج تُعيد الثقة في الخطاب الطبي، يثبت هذا النموذج أن الأخلاق ليست عبئًا على النجاح، بل أحد أسبابه الأكثر رسوخًا.





