الفريق اول حقوقي امير عبد المنعم فضل القيادة الرشيدة حين يدار الامن بعقل الدولة
د. الشاذلي عبداللطيف يكتب | ترانيم الظلم

في عهد حكومة الامل، حيث تعاد صياغة فكرة الدولة بعد سنوات من الاضطراب، لا تقاس قيمة القيادات بما ترفعه من شعارات، بل بما تحققه من استقرار هادئ، وبما تبنيه من ثقة مستدامة بين المؤسسة والمجتمع. وبهذا الميزان يمكن قراءة ما شهدته الشرطة في عهد مديرها العام الفريق اول حقوقي امير عبد المنعم فضل، بوصفه مسارا واعيا لاعادة ترتيب العلاقة بين القوة والقانون، وبين الهيبة والعدل.
تولى الرجل قيادة الشرطة في واحدة من اعقد المراحل التي مرت بها البلاد. مرحلة تداخلت فيها تحديات الامن مع مطالب اعادة الحياة الطبيعية، وكانت المؤسسة الشرطية مطالبة بان تعود الى دورها الاصلي كحارس للنظام العام، لا كاداة طوارئ. فجاءت المقاربة قائمة على اعادة تشغيل الدولة داخل الشرطة اولا، من خلال انتظام القيادة، وتفعيل المتابعة، واعتماد القراءة الواقعية للوقائع والارقام بدلا من الانطباعات.
في الخرطوم، لم يكن الامن مجرد انتشار للقوات، بل مشروعا متكاملا لحماية الحياة اليومية. حماية الاحياء والمرافق العامة، تنظيم الدوريات ونقاط الارتكاز، تنسيق الجهد بين الادارات، والعمل على خفض البلاغات المؤثرة على الطمانينة العامة، كلها خطوات اسهمت في اعادة الشعور بالامن تدريجيا. القيادة هنا لم تتعامل مع الامن كفعل قهري، بل كعملية بناء ثقة بين المواطن والقانون.
ومن ابرز ملامح هذا العهد استعادة الخدمة الشرطية بوصفها جزءا من عودة الدولة الى تفاصيل حياة الناس. عادت المعاملات، واستؤنفت خدمات الهجرة، وتقدمت خطط التطوير التقني، وافتتحت نوافذ العمل من داخل الولاية، في اشارة واضحة الى ان الامن لا ينفصل عن انتظام الخدمات، وان الشرعية اليومية للدولة لا تقل اهمية عن الحسم الامني.
وعلى المستوى المؤسسي، شهدت الشرطة مراجعات قانونية اعادت الاعتبار لحقوق منسوبيها. فتحت ملفات تظلم طال انتظارها، لا بروح الاسترضاء، بل بمنهج قانوني منضبط يرفع الغطاء الاداري عن الخطا ويترك للقانون ان يقول كلمته. هذه الخطوة مثلت رسالة داخلية مهمة مفادها ان العدالة لا تتجزا، وان الحقوق لا تسقط بالصمت او بالتقادم، وهو ما اسهم في تعزيز الاستقرار النفسي والمهني داخل المؤسسة.
وفي الاطار الاقليمي، اتسعت رؤية الشرطة للتعامل مع الجريمة بوصفها ظاهرة عابرة للحدود. تم تعزيز التعاون وتبادل المعلومات، ومواجهة انماط الجريمة المنظمة والمستحدثة، ضمن عقل امني يستبق الخطر بدلا من مطاردته بعد وقوعه. هذا البعد يعكس فهما حديثا للامن، يرى ان حماية الداخل تبدأ بفهم السياق الاقليمي والدولي.
غير ان القيمة الاهم في هذه التجربة تتمثل في منظومة القيم القيادية التي حكمت الاداء. رجولة في تحمل المسؤولية لا في استعراض القوة، كرم مؤسسي في الانصاف لا في المجاملة، وحكمة قيادة تعرف متى تحسم ومتى تنصت. الرجولة هنا ليست غلظة، بل التزام اخلاقي يجعل القرار شجاعا دون ان يكون قاسيا، وحازما دون ان يكون جائرا.
في المحصلة، ما شهدته الشرطة في هذا العهد هو انتقال واع من امن الطوارئ الى امن الدولة، ومن الهيبة القائمة على الخوف الى الهيبة القائمة على الثقة. قيادة تدرك ان الامن المستدام لا يقوم الا حين يكون القانون هو المرجعية العليا، وحين يشعر الشرطي والمواطن معا ان الدولة تقف على مسافة واحدة من الجميع. تلك هي القيادة الرشيدة حين تدار المؤسسات بعقل الدولة لا بردود الافعال.





