قيادة الحسم الأمني: من تفكيك التفلت إلى حماية الدولة من الداخل
د. الشاذلي عبداللطيف يكتب | ترانيم الظلم

حين قاد الفريق أول عبد الفتاح البرهان اجتماع لجنة أمن العاصمة، لم يكن ذلك فعلاً تنظيمياً عابراً، بل إعلاناً واضحاً عن انتقال الدولة من مرحلة إدارة الاضطراب إلى مرحلة السيطرة الأمنية الكاملة. فالعاصمة ليست ساحة اختبار، ولا مجالاً للمجاملة، بل مركز القرار، وأي خلل فيها هو خلل في صورة الدولة نفسها.
الرسالة الجوهرية للاجتماع تمثلت في كسر معادلة التفلت من جذورها، لا مطاردة مظاهره فقط. فالتفلت الأمني لا يولد فجأة، بل ينمو في بيئة رخوة: سلاح خارج القانون، حركة غير منضبطة، غياب المعلومة، أو تردد في إنفاذ القرار. ومعالجة هذه البيئة هي جوهر الأمن الوقائي، وهو ما عكسته مخرجات الاجتماع بوضوح.
التحول الحقيقي هنا هو الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي. انتشار محسوب، معلومات دقيقة، تنسيق كامل بين الأجهزة، وقانون يُطبَّق بلا استثناء. فالحسم الأمني لا يعني الفوضى، بل يعني وضوح الخطوط: من هو داخل مظلة الدولة، ومن اختار الوقوف خارجها. العاصمة لا تحتمل مناطق رمادية.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الأمن عن المجتمع. فالأمن ليس مسؤولية الأجهزة وحدها، بل هو شراكة وطنية واعية. على الوطني الغيور أن يتحرك بوعي الدولة لا بعاطفة اللحظة، وبحزم القانون لا بانفعال الغضب. الإبلاغ عن كل ما يهدد أمن الوطن، وعن أي نشاط للطابور الخامس، ليس وشاية ولا تصفية حسابات، بل واجب سيادي وأخلاقي. فالدول لا تسقط فقط بالهجوم الخارجي، بل بالاختراق الصامت من الداخل.
إن أخطر أشكال الخطر هو ذاك الذي يتخفى في صورة العادي، ويتحرك تحت غطاء الصمت الاجتماعي. وحين يصمت المواطن عن المعلومة، يتحول الصمت—دون قصد—إلى ثغرة. أما حين يُبلِّغ في الوقت المناسب، فإنه يحمي أسرته وحيّه ومدينته، ويُسهم في منع الجريمة قبل وقوعها.
وفي المقابل، تظل الدولة مطالبة بالفصل الواضح بين المواطن النظيف والمجرم المتخفي. فالحسم لا يكون عشوائياً، بل منضبطاً بالقانون، سريعاً في الإجراء، حازماً في الردع، وعادلاً في التطبيق. بهذه المعادلة فقط تُستعاد هيبة الدولة دون ظلم، ويُحاصر التفلت دون أن يتحول الأمن إلى عبء على المجتمع.
الخلاصة أن ما يجري في العاصمة هو إعادة تأسيس لمعادلة أمنية جديدة: قرار موحد، سيطرة استباقية، مجتمع شريك، وقانون لا يتردد. وطن لا نحميه جميعاً، دولةً ومجتمعاً، لا نستحق أخلاقياً أن نعيش في ظله.





