
في اليوم الثاني من المؤتمر القومي الأول لمعالجة قضايا الشباب، الذي تنظمه وزارة الشباب والرياضة الاتحادية بولاية نهر النيل، بدا المشهد أقل احتفالية وأكثر جدية، وكأن القاعة قررت أن تنتقل من طرح الأسئلة إلى البحث عن الإجابات، ومن الإنصات إلى التفكير بصوت عالٍ، هنا، لم يعد الشباب ضيوف شرف، بل صاروا محور النقاش، وموضوع الأوراق، وهدف التوصيات.
توزعت فعاليات اليوم بين جلسات علمية، ونقاشات مفتوحة، وعروض ابتكارات، فكان اليوم الثاني أشبه بورشة وطنية كبرى تحاول أن تمسك بخيط المستقبل من طرفه العملي لا الخطابي، أوراق قُدمت، وأفكار اصطدمت بالواقع، وتوصيات خرجت من رحم النقاش، لا من هوامش البروتوكول.
في الورقة العلمية الأولى، التي ناقشت دور الشباب في المجتمع، كان الحديث واضحاً وصريحاً:لا نهضة بلا شباب، ولا مشاركة حقيقية دون تمكين فعلي، ولم تكن الدعوة إلى تفعيل مراكز الشباب بالولايات، وتبسيط إجراءات تسجيل الكيانات، وتوسيع مظلة الدعم للمبدعين، مجرد أمنيات، بل تشخيصاً دقيقاً لعطب قديم ظل يؤجل طاقات كاملة إلى أجل غير مسمى.
أما الورقة الثانية، وهي الأهم من حيث العمق والأثر، فقد وضعت وزارة الشباب والرياضة نفسها تحت المجهر، بين واقع مثقل بالتحديات، وطموح لا سقف له، وخرجت الجلسة بتوصيات تستحق أن تُكتب بحبر التنفيذ لا بحبر المحاضر: إنشاء بيوت للشباب في الولايات، وتأسيس صندوق سيادي لدعم المناشط، واعتماد التخطيط الاستراتيجي، وتمثيل الشباب في مؤسسات الدولة، لا كديكور، بل كقوة اقتراح وقرار، وهي توصيات، إن لم تجد طريقها إلى التطبيق، ستظل مجرد وثيقة أنيقة في درج مغلق، وهو ما لا يحتمله السودان في هذه المرحلة.
وفي خضم هذا الزخم الفكري والنقاشي، شكّل وزير الشباب والرياضة الاتحادي، البروفيسور أحمد آدم، حضوراً أنيقاً وهادئاً، لا يعلو فيه الصوت بقدر ما تتقدم الفكرة فهو صاحب رؤية، يتعامل مع ملف الشباب بوصفه مشروع دولة لا مجرد اختصاص وزارة،حريصاً على أن يضع الشباب في قلب المعادلة الوطنية لا على هامشها، وقد عكست مداخلاته وعياً عميقاً بدور الشباب في إعادة تشكيل صورة الوطن، وربط الرياضة والابتكار ببناء الدولة الحديثة، بما يجعل الوزارة، في تصوره، أداة لبناء الإنسان قبل أن تكون إدارة للنشاط.
أما وكيل الوزارة، الدكتور هاني أحمد تاج السر، فقد بدا نموذجاً للمسؤول الذي يعمل بهدوء ويفكر أبعد من حدود الوظيفة، إعلانه عن برامج تدريبية متخصصة، وشراكات مع مؤسسات وطنية، وتبشيره بانعقاد النسخة المقبلة من المؤتمر في كسلا، لم يكن استعراضاً بقدر ما كان رسالة واضحة مفادها أن العمل الشبابي مشروع مستمر، لا فعالية موسمية.
اليوم الثاني لم يكن يوم أوراق فقط، بل يوم ابتكارات أيضاً نماذج شبابية قُدمت من ولايات مختلفة، في مجالات زراعية وصناعية وتقنية، أكدت أن المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في ضعف الرعاية والاحتضان، وهنا يصبح السؤال ملحاً: من يرعى هؤلاء؟ من يحمي أفكارهم من الغرق في البيروقراطية؟ ومن يحول هذه الابتكارات من نماذج عرض إلى مشروعات إنتاج؟
إن الرهان الحقيقي على هذا المؤتمر لا يُقاس بعدد الجلسات ولا بحجم الحضور، بل بمدى التزام الدولة بتنفيذ توصياته، خاصة توصيات الجلسة الثانية، وبمدى الجدية في رعاية الشباب المبتكرين ودعمهم مالياً وتقنياً وتشريعياً،فالشباب، كما أثبت هذا المؤتمر، لا يطلبون المستحيل، بل يطلبون فرصة عادلة.
كان اليوم الثاني للمؤتمر أكثر هدوءاً من الأول، لكنه كان أعمق أثراً؛ يوم قال فيه الشباب كلمتهم، واستمع المسؤولون، وبقي الامتحان الحقيقي معلقاً: هل تتحول هذه الكلمات إلى أفعال؟ أم نلتقي بها في مؤتمر آخر، بعد عام، بالأسئلة نفسها؟




