مقالات

​رمضان محجوب يكتب | انواء | ​مِيثاقُ المَهجرِ.. والكَرامة

 عندما ضاقت جغرافيا الداخل وتحولت بيوتُنا إلى ساحاتٍ للاستباحة من قبل المليشيا البربرية، نهض سودانيو المنافي عبر “تجمع السودانيين بالخارج” ليصنعوا من وجودهم في المهجر متراساً أخيراً للسيادة.
​▪️ وأمس السبت، جاءت مخرجات المؤتمر الثاني لتجمع السودانيين بالخارج لا لتمسح دموع النازحين فحسب، بل لتصفعَ وجوهَ المراهنين على تمزيقنا؛ معلنةً أن “السيادة الوطنية” ليست مادةً للمقايضة، بل هي العقيدة التي لا تقبل الارتهان لممولٍ خارجي أو أجندةٍ عابرة للقارات.

​▪️ وضع المؤتمر “النقاط على الحروف” في قضية الالتفاف الكامل حول القوات المسلحة السودانية، باعتبارها المؤسسة الدستورية التي تحول دون تحول الوطن إلى إقطاعياتٍ للنهب. فكان تجديد العهد مع الجيش في هذا المنعطف التاريخي بمثابة رصاصةٍ في قلب مخططات “الفرز العرقي”، وتأكيدٍ من أبناء تجمع السودانيين بالخارج على أن الدولة لا تُبنى إلا بسواعد مؤسساتها الوطنية الراسخة، بعيداً عن ميليشيا الجهل والخراب.

​▪️ في معركة “المحافل الدولية”، قرر التجمع خلع قفازات الدبلوماسية الناعمة؛ فالسوداني في المهجر عندنا اليوم هو “المقاتل الإعلامي” الذي يفضح عورات تدخلات “الإمارات” الإقليمية ويكشف للعالم زيف شعارات “تأسيس” و”صمود” التي تُذبح تحتها كرامة الشعب. فلم يعد الوجود بالخارج مجرد “تحويلات مالية” لستر الأسر، بل صار “متحرك” قتالٍ سياسي وحقوقي لا يهدأ من خوض غمار جولات معركة الكرامة حتى تُسترد مكانة السودان وتُقطع كل أيادٍ حاولت رهن قراره الوطني.

​▪️ وعن “خيبات” التشرذم، جاءت الدعوة لتوحيد صفوف السودانيين بالخارج كـ “مصلٍ ضد الفتنة” وتجاوزاً للصغائر والجهويات؛ بعدما أدرك التجمع أن العدو الحقيقي هو “خطاب الكراهية” الذي يسعى لتحويل الجار إلى قناص، فكان المخرج هو الحوار الوطني الصرف، والتمسك بوحدة النسيج الاجتماعي كضمانة أخيرة للبقاء، رافضين أية “روشتات” معلبة تُطبخ في الغرف المظلمة بعيداً عن تطلعات السودانيين.

​▪️ والسلام في “منفستو” تجمع السودانيين بالخارج ليس “صفقة تحت الطاولة”، بل هو إرادة وطنية خالصة ترفض الحلول المفروضة من الخارج التي لا تراعي خصوصية الجرح السوداني. لذا، فالموقف هنا حادّ وقاطع، فقد قالها منشدهم وهو يستقبل ضيوف المؤتمر: “مافيش مساومة في الشرع ولا نار خلاوي بنخمدها”.. إذاً، لا مساومة على تطلعات الشعب في الأمن والعدالة، ولا شرعية تمنحها العواصم الغريبة لمن لا يملك تفويضاً من صاحب الحق الأصيل؛ وهو المواطن الذي دفع ثمن هذه “الأنواء” من دمه وماله.

​▪️ ولم يغفل المؤتمر كذلك “هندسة المستقبل”، فدعا لتعبئة خبرات المهاجر في معركة “إعادة الإعمار” وبناء مؤسسات الدولة على أسس العدالة وسيادة القانون. إنها رؤية تستشرف اللحظة التي تضع فيها الحرب أوزارها، ليتحول “المخزون البشري” في الخارج إلى رافعة اقتصادية تنهض بالزراعة والمعادن، لتطهير البلاد من آثار الدمار الذي طال كل شبرٍ أخضر في بلادي.

​▪️ وأفرد المؤتمر للأجيال الجديدة في المهجر مساحةً سيادية لحمايتها من التيه الثقافي وفقدان الهوية. إن ربط الأبناء بالوطن الأم هو “الاستثمار الأطول أمداً” في معركة الوجود؛ فنحن لا نريد جيلاً مقطوع الجذور، بل “سفراء دائمين” يحملون قيم المروءة والستر التي حاولت الحرب اغتيالها، ليكونوا هم جسر العودة والبناء حين ينجلي غبار المعركة.
​▪️ عموماً، تعد مخرجات مؤتمر الكرامة الثاني لتجمع

السودانيين بالخارج بمثابة “جرد حساب” لضمير أبنائنا في المهاجر، ورسالة واضحة لكل مقامرٍ بمستقبل هذا الوطن يقول نصها: “إن الرهان على كسر إرادة السودانيين هو خيارٌ انتحاري”. وإن الاصطفاف خلف الجيش والشعب هو المخرج الوحيد من نفق “عصر الخيبات”؛ فإما وطنٌ شامخ السيادة يعيش فيه الجميع بكرامة، أو “أنواء” تبتلع المتخاذلين والواشين وبائعي الأوطان في سوق النخاسة السياسية

Jamal Kinany

صحيفة العهد اونلاين الإلكترونية جامعة لكل السودانيين تجدون فيها الرأي والرأي الآخر عبر منصات الأخبار والاقتصاد والرياضة والثقافة والفنون وقضايا المجتمع السوداني المتنوع والمتعدد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى