التعليم الصناعي والتدريب المهني خيار المستقبل ونصيحة مسؤولة لأولياء الأمور
د. الشاذلي عبداللطيف يكتب ترانيم الظلم

كم شابا نعرف اليوم يحمل شهادة جامعية، ويقف على ابواب الانتظار بلا عمل، بينما تبحث المصانع والمشاريع عن مهارات لا تجدها؟ هذا السؤال لم يعد ترفا فكريا، بل صار حقيقة يومية تفرض على الاسر مراجعة خياراتها التعليمية بجرأة ومسؤولية.
دول العالم المتقدمة لم تصل الى ما هي عليه بالصدفة. لقد اعادت ترتيب اولوياتها التعليمية عندما اكتشفت ان سوق العمل لا يكافئ الشهادة بقدر ما يكافئ المهارة. اليوم، الاقتصاد العالمي يقوم على الفني الماهر، والتقني المحترف، والعامل المدرب القادر على التشغيل والصيانة والتطوير. ولهذا تحولت المدارس الصناعية، والمعاهد المهنية، والتعليم التقني الحديث الى العمود الفقري للتنمية الصناعية.
سوق العمل العالمي يطلب بوضوح مهارات محددة: التشغيل الصناعي، الصيانة المتقدمة، التصنيع الزراعي، الطاقة المتجددة، التحكم الالي، البرمجة الصناعية، والميكنة الحديثة. هذه الوظائف هي الاكثر طلبا، والاكثر استقرارا، والاكثر قابلية للتنقل بين الدول. لم تعد الشركات تسأل اين درست، بل ماذا تستطيع ان تنجز، وكم تضيف من قيمة حقيقية.
في المقابل، لا يزال كثير من اولياء الامور يحصرون النجاح في مسار اكاديمي واحد، وكأن البدائل المهنية انتقاص من الطموح. هذه النظرة لم تعد منسجمة مع الواقع. فالتعليم الصناعي والتدريب المهني لا يغلق الابواب، بل يفتحها على مصاريعها، ويمنح الابن قدرة مبكرة على الاستقلال الاقتصادي، والعمل داخل الوطن وخارجه، وبناء مشروعه الخاص اذا اراد.
عند اسقاط هذه الحقائق على الواقع المحلي، تبرز ولاية الجزيرة كنموذج جاهز للتحول الصناعي. موارد زراعية ضخمة، كثافة سكانية شابة، موقع استراتيجي، وتاريخ طويل في العمل والانتاج. هذه المقومات تجعل من الولاية بيئة مثالية لاقامة مدن صناعية حديثة مرتبطة بالزراعة والصناعات التحويلية والغذائية والطاقة. لكن هذه الفرصة لن تتحقق دون تعليم صناعي وتقني يمد هذه المدن بالكوادر المدربة.
المدارس الصناعية والمعاهد المهنية في حال تم تطويرها وربطها بالتقنية الحديثة، يمكن ان تتحول الى مصانع للمهارة، لا مخازن للشهادات. يمكنها ان تخرج فنيين مطلوبين، وتقنيين قادرين على المنافسة، وشبابا يرون في العمل المهني كرامة لا نقصا، ومستقبلا لا خيارا ثانويا.
رسالتي المباشرة لاولياء الامور هي هذه: لا تحرموا ابناءكم من مسار مهني منتج بسبب تصورات قديمة. لا تحصروا النجاح في لقب اجتماعي، وتغفلوا عن مهارة تصنع الحياة. ان اختيار التعليم الصناعي او التقني ليس تنازلا عن الطموح، بل استثمار واع في مستقبل الابن.
المسؤولية هنا مشتركة. الدولة مطالبة بالتخطيط والدعم وربط التعليم بسوق العمل، والقطاع الخاص مطالب بالشراكة والتوظيف ونقل الخبرة، اما الاسرة فهي نقطة الانطلاق. قرار ولي الامر اليوم قد يختصر على ابنه سنوات من البطالة والانتظار، ويمنحه طريقا واضحا نحو الانتاج والاستقرار.
ان تغيير نظرتنا للتعليم والعمل هو بداية الاصلاح الحقيقي. فالاوطان لا تبنى بالخطب ولا بالامنيات، بل بسواعد مدربة، وعقول تقنية، وثقافة تحترم العمل وتقدس المهارة. وبذلك وحده يمكن لولاية الجزيرة، وللسودان عموما، ان يلتحق بركب الدول التي فهمت مبكرا ان المستقبل يصنع في الورش والمصانع، كما يصنع في القاعات.





