
عندما دارت مركبة “أبولو 13” حول القمر في أبريل 1970، كان العالم يحبس أنفاسه لمتابعة قدرة الولايات المتحدة على إنقاذ روادها من كارثة محققة. لم يكن مجرد إنقاذ، بل كان استعراضاً جيوسياسياً في ذروة الحرب الباردة، حيث كان السباق حينها محصوراً بين قطبين فقط.
اليوم، ومع اقتراب موعد انطلاق مهمة أرتميس 2 (Artemis II) في أوائل عام 2026، يبدو المشهد مختلفاً تماماً. لم يعد الأمر مجرد سباق رمزي لرفع الأعلام، بل تحول إلى صراع نفوذ طويل الأمد لتحديد القواعد التي ستحكم الوجود البشري الدائم في الفضاء.
من سباق ثنائي إلى ساحة مزدحمة
لم يعد الفضاء حكراً على واشنطن وموسكو. تبرز الصين اليوم كمنافس قوي يمتلك برنامجاً قمرياً مدروساً ومستداماً، يهدف إلى إنزال رواد فضاء على سطح القمر بحلول عام 2030 وبناء محطة أبحاث دائمة.
على عكس حقبة السبعينيات، لا تعمل الحكومات بمفردها؛ فالشركات التجارية والتحالفات الدولية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية الفضاء الحديثة.
لماذا تعتبر “أرتميس 2” حاسمة رغم عدم الهبوط؟
رغم أن مهمة أرتميس 2 لن تهبط على السطح، بل ستكتفي بالدوران حول الجانب البعيد للقمر لاختبار أنظمة دعم الحياة، إلا أنها تحمل وزناً استراتيجياً هائلاً:
اختبار الجاهزية: هي الجسر الضروري لمهمة “أرتميس 3” المقررة للهبوط في القطب الجنوبي للقمر عام 2028.
الاستدامة السياسية: تعكس التزاماً سياسياً ومالياً طويل الأمد يتجاوز فكرة “الزيارة العابرة”.
الريادة التقنية: إرسال طاقم بشري لمدار القمر يثبت كفاءة الأنظمة التجارية والحكومية المشتركة.
النموذج الأمريكي مقابل النموذج الصيني
هناك تباين واضح في فلسفة العودة إلى القمر:
النهج الصيني: مركزي، تسيطر عليه الدولة بشكل كامل، وشراكاته محدودة ومنتقاة بدقة.
النهج الأمريكي: يعتمد على “الانفتاح”. صُمم برنامج أرتميس ليكون مظلة عالمية تتيح للشركاء الدوليين والشركات الخاصة العمل ضمن إطار قانوني وتنظيمي مشترك.
القانون الدولي وصراع الموارد
تفرض معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 مبدأ “الاعتبار الواجب”، وهو ما يعني تجنب التشويش على أنشطة الآخرين. ومع ازدحام القطب الجنوبي للقمر بالموارد، يتحول هذا المبدأ من نظرية قانونية إلى ضرورة تشغيلية لتجنب الصدامات.
رؤية الخبراء: القيادة في الفضاء لا تأتي فقط من الإنجازات التقنية، بل من القدرة على وضع قواعد عمل مستقرة تدعم التعاون وتقالل من عدم اليقين.
خاتمة: السباق نحو المستقبل
لن تحسم “أرتميس 2” الصراع على القمر، لكنها ستضع حجر الأساس للنموذج الأمريكي القائم على التحالفات والشفافية. إن نجاح هذه المهمة يعني تشكيل مستقبل الاستكشاف ليس فقط للقمر، بل للمريخ وما بعده.




